المرأةثقافة

حين يضيق النّهار بالغزلان|جميلة الشريف.

ميديا بلوس-تونس-ككلّ صباح تخرج بهجة رئيسة العاملات الفلاحيات تستحثّ نساء”الدّوار” على التجمّع أمام دكّان العم صالح العطار المنتصب على ناصية الشارع. هناك وقبل قدوم الشاحنة الهرمة تقتني بهجة الخبز وتدفع العاملات الأخريات ما تيسّر لهنّ من القطع النقدية لشراء علبة الهريسة وبعض السّكر والشّاي وحين يشتدّ صراخ المنبّه يسارعن جميعهنّ للقفز داخل صندوق الشاحنة الخشبيّ يمنّين النفس بجلسة قصيرة تريح ظهورهن المقوّسة فالطريق إلى الحقل طويلة وملتوية لكن هيهات!!… فصاحب الشاحنة يتعمّد صبّ الماء ويجبرهنّ على الوقوف لضمان عدد أكبر من الرّاكبات… كم مرّة نشب خصام حادّ بينه وبين بهجة فتشير على العاملات بالترجّل نحو الحقل ولكنهن يتوسّلنها عند العودة أن تقبل بركوبهنّ في الشاحنة واقفات فذلك أرحم من العودة إلى منازلهنّ بأقدام تقطر دما.
لم يكن خبر انقلاب الشاحنة بالعاملات هذا الصباح صادما -فهي ليست المرة الأولى التي يفقد فيها السائق السيطرة على المقود فتنقلب الشاحنة ويتعالى الصياح وترتفع الدعوات بالستر وتختلط دموع الهلع بدموع الفرحة حين تعلن بهجة نجاة الغزلان وهي تعاتب السائق “اه يا راجل يا ويلنا من تهورك اليوم سلّكناها بقدرة قادر وغدوة ما يعلم سرّو كان ربي العالي” ويرتفع صوت العاملات بالغناء تعبيرا عن فرحتهن بالسّلامة…

-لكنّ المشهد هذا الصباح كان بحجم الفظاعة كلّها… سيل من الدماء يجرف قطع خبز يابسة وحبات من الطماطم والبصل سقطت من قفاف العاملات المهترئة… وأشلاء بشرية متناثرة في قلب الشارع وعلى أطرافه… عويل ونحيب وأصوات ملتاعة مزّقت شرايين روحي وكدت أفارق وعيي وأنا أشاهد هول ما يحصل… لم أصدّق في البداية أن تلك الأجساد الكادحة غدت قطع لحم متناثرة هنا وهناك… أن تلك العيون الجميلة انطفأت قبل أن يعلن الربيع عن كرم الطبيعة. لقد سمعت بهجة تتحدّث ذات ثرثرة أحلام عفوية بأنّ العام صابة والرزق كثير وصاحب الحقل سيذبح عجلا في نهاية موسم الحصاد وسيأكل أطفال الدّوار لحما… لم أصدّق طبيعة الشهادات التي انتشرت سريعا على المواقع الاعلامية… لقد ألبسوا الحادثة ثوبا لايشبه ثوب بهجة وصويحباتها… محارمهنّ المزركشة بالأخضر والزهري صارت زينة على رقاب جميلات التلفزيون ومانكات المغازات الكبرى… حباّت الفلفل والطماطم الملطخة بالدم صارت موضوع عجز الميزان التجاري للدولة… تلك الطرقات التربة باتت ملفا لتقاعس الدولة وتجاهلها لمواطنيها بالمدن المنسية… وخروج المرأة للعمل قضية نهش الشيوخ أصحاب الجباب الحريرية الناعمة عظامها بعد أن حلّلوا وحرّموا وناقشوا مع معارضيهم موضوع كثرة الإنجاب داخل عائلات الأرياف المعوزة…
هربت من فظاعة المشهد على الميدان ومن فظاعة التصريحات على شاشات المواقع كلها… ووجدتني أسير في طريق المقبرة ..أحسست برغبة شديدة في الحديث الى بهجة تلك الغزالة التي ضاق بها النهار فارتمت بأحضان الليل… كم كان يستهويني صوتها الصباحي وهي تستحثّ العاملات على النهوض… كم كان يأسرني منظرهن وهن منتشرات في ضيعة الخال مصطفى ينقّين المزروعات من الأعشاب الطفيلية أو يجمعن ثمارها بعد أن قضّين مواسم كاملة في تهيئة ظروف إنباتها… نحن لا نعرف كيف تصلنا تلك المنتوجات خضراء نضرة أو صفراء صلبة ناضجة… لا نعرف أنها مسقيّة بعرقهنّ وبصبرهنّ على سياط القرّ ولظى الحرّ… كلّ مانعرفه أنّنا نحمّل مسؤولية فقدانها لانحباس المطر في السماء وتقاعس الدولة على الأرض… لا أحد منّا يعترف بأنّ سواعد الكادحين والكادحات هي التي تصنع الأكسجين لنتنفّس والخبز لنشبع…
هذا اليوم أراد الموت أن يوقّع على جباهنا هذه الحقيقة المخفيّة… أراد أن يخلّد صورة صانعي الخبز والأكسيجين وينبّه صناّع الكلام أن أمثال هؤلاء المستضعفين لم يتعاقدوا يوما مع الفرح… هم لا ينقطعون عن إبرام اتفاقيات مع الوجيعة والألم والخوف. لذلك هو اليوم يهديهم توقيعا شجاعا مع الراحة الأبدية… هكذا سمعته يخبرهم وهو ينتقل بين قبور العاملات المتوفّيات… كان يطمئنهنّ واحدة واحدة ويدعوهنّ إلى السكينة والنوم الجميل الهانئ. وكنّ في فوضى عارمة يسألنه عمّ حلّ بأهاليهن بعد رحيلهنّ… وكان الموت يحيّيهن باحترام ويخاطبهن في لين “اهدأن أيتها الجميلات الكادحات ..لقد غدا الحزن في زمننا هذا متلبّسا بالمصالح… كلّ واحد حزن عليكن بحسب حجم حاجته إلى خدماتكنّ…” وحين شاهد الحيرة على وجوههنّ، جمعهنّ وشغّل هاتفه فرأين أجسادهن أشلاء ممزقة وصورهن تتناقلها التلفزات دون رقيب… صارت أثوابهن المحتشمة مادة اشهارية… وأجسادهن الممزقة فرصة ذهبية لخطابات حزبية مجنونة… أصغين بانتباه الى الشهادات فصدمن بتحاليل المعلّقين والمعلّقات… تسع وتسعون كذبة اختلقها الاعلام والمسؤولون حول ظروف موتهنّ وحقيقة واحدة أدلى بها صاحب الحقل وهو احتراقه لعدم الاعتراف لبهجة بحبّه المجنون… تمنى لو أخبرها قبل رحيلها بأنه يحبّها بحجم كلّ الفصول… هو الان يحتفظ بحبة الطماطم التي وجدها بقفتها وقد نقشت عليها اسمه داخل تصميم خطّي يشبه قلبها النقيّ…

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق