Non classéالمرأةثقافةكاتب وكتاب

قراءة في أقصوصة “الأسيرة” للكاتبة نجيبة بوغندة.

ميديا بلوس-تونس-أقصوصة ذات شجون نبدؤها من حيث منتهاها والسّاردة اختارت أن تنهيها بحوار باطنيّ فهو الأقدر على تجذير الكتابة في واقعها وهوالأمهر على استبطان النّفوس والغوص في أعماقها والكاتبة أنطقت الشّخصيّة فصيّرتها تحاور ذاتها بمزيج من الحيرة والتّأنيب والوعظ والتّأديب غير أنّ قولها لم يكن سوى صوت الكاتب الّذي يقول فيعظ ويرشد بل لعلّه أيضا صوت القارئ يترجم حيرته وانفعالاته الّتي يضيق بها صدره.
الأسيرة ناقوس إشعار في زمن صرنا فيه أسرى لصناديق بريدنا الافتراضيّة فنواقيس الإشعارات تشتّت أفكارنا إذ وفدت والأيقونات الزّرقاء تربك هدوءنا إذا اشتعلت والزرقة أعلى الشّاشة إذا استحالت حمرة سلبت عقولنا فنسعى على انشغالنا لنفضّ أختامها ونعرف ما وفد من جديد أسرارها.
الأسيرة حكاية مرآة عكست لنا قصّة ذواتنا المأسورة وبين الشّاشات محشورة فالمواقع الافتراضيّة علّبت أفكارنا وسرقت ساعاتنا بل حتّى أيّامنا وشتّتت أحبابنا ونحن نقف هناك منبهرين بل خائفين أن يضيع منّا جلاّدنا ويتوه عنّا سجّاننا إذ صارت حياتنا في هواتفنا وأوكسجيننا في شاشاتنا فنفزع إن أصاب العنكبوت الأمّ عطب أو طرأ على الفضاء الأزرق أرق أو تعب فالوعكة ستطال حساباتنا الشّخصيّة وستفتك فتكا بعلاقاتنا الافتر- وهميّة.
الأسيرة حكاية حبّ عجيبة غفل عنها ابن حزم في مطوّقته الشّهيرة فهي حكاية بدأت هازلة وانتهت جادّة بل انقلبت إلى ملحمة تراجيديّة على الشّاكلة الإغريقيّة حيث لا يكتفي البطل التّراجيديّ بعقاب السّماء بل يمعن في جلد ذاته فيسقيها العناء ويضاعف عقابها حتّى الخبل والفناء.
هي حكاية صارت تقليديّة في زمن الأجهزة الرّقميّة ففارس الأحلام ماعاد يدكّ الحصون ليطلب ودّ غادة قلبه بها مفتون بل صار فارس من دخان يعلو في السّماء ويحلّق أين يشاء والأميرة ماعادت تسكن قصرا مرصودا والطّريق إليها ماعاد مسدودا بل كلّ الطّرق مكشوفة ودون حدود.
بيد أنّ الحكاية لا تقف هنا فالطّرق المفتوحة تستحيل متاهة بحجم السّماء و الطّواف فيها قد لا يعقبه إلاّ العناء وسيعرف التّائه بعد فوات الأوان أنّه ما طارد سوى خيط دخان فيعود أعقابه مهزوما مكسور الوجدان كما تنبّأت له قارئة الفنجان.
الأسيرة أقصوصة ختمت الكتاب ولكنّها انبرت لسان دفاع عن كلّ كتاب إذ نسفت حجج خصومه الشّهيرة وقوّضت براهينهم الكثيرة وكشفت كذبة المواقع الاجتماعيّة الّتي تهبنا سعادة وهميّة ونشوة وقتيّة ثمّ تسلّمنا إلى وحدة قاتلة أبديّة أو ليس الأجدر بنا إذن أن نعود إلى الكتاب فهو الخلّ الودود الّذي يهبنا أجنحة نورانيّة نطوف بها كلّ الفضاءات الجغرازمنيّة مع ضمان رحلة العودة إلى قواعدنا آمنين دون وعكات صحّيّة وغانمين دون أضرار نفسيّة.

الأستاذة نجاة الوسلاتي.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق