ثقافةمقالات رأي

رؤية نقديّة: على هامش أيّام قرطاج الشعريّة… انتصارا للقيم الجماليّة الكونيّة.

ميديا بلوس-تونس-كتب الأستاذ بشير الشيحي على هامش أيّام قرطاج الشعرية رؤية نقديّة، صدّرها بالكلمات التالية: بأدب وأخلاق وأدبيّة وموضوعيّة وانتصارا للقيم الجماليّة الكونيّة.

وقد توجّه بها إلى أهل الذكر ممّن أوردهم بمقاله:

إلى أساتذة الأدب
إلى الكتّاب
إلى الشّعراء الملتزمين بما هو كونيّ من كتابات والمتشبّثين بالأرض، بالجمال، بالوطن، بالحريّة.
إلى كلّ صوت شعريّ حرّ وكلّ ذوق سليم وكلّ منتصر للجمال في جميع الأشكال التعبيريّة.
إلى عشّاق الفنون وأنصار الإبداع
إلى المثقّفين الأحرار
إلى تراب قرطاج العفيف النيّر العازف النّابض في الوجدان والذّاكرة.
تحيّة شعريّة بقطوف دانية من عذب الكلام.
تحيّة وطنيّة تمجّد ثقافتنا الأدبيّة ورموزنا التاريخيّة الحضاريّة، تنخرط في سياق شعريّ كونيّ إنسانيّ بعيدا عن التكلّف والتزلّف والخصومات والعداوات.
أوّلا: أنا لا أجامل ولا أعادي.
أنا لست ضدّ الشّعر أو الشّعراء يا سادتي.وأنا دوما أشجّع كلّ صوت راق وقلم بهيّ، بل أنتصر للشّعر وحده دون النّظر إلى الأسماء أو الصّداقات لأنّ الرأي النّزيه أمانة و نصرة الجماليّة فلسفة ومن يحمل مشعل الكلمة لا يمكنه أن يخون حبره الرّقراق النّاصع البليغ.
لست ضدّ إقامة أيام شعريّة تشرّف تونس العزيزة وتستعيد ألق قرطاج وتنتصر للكلمة الهادفة الجميلة الموحية الفاعلة السّاحرة.
لست ضدّ أحد أو اسم أو رقم أو صوت أو مشارك لكنّي أرى ضرورة أن يتمّ اختيار الأسماء وفق رؤية شعريّة فنيّة وعمليّة فرز تستند إلى معايير أدبيّة، وضمن طرح جماليّ للحدث الشعريّ انتصارا للنصّ الجيّد الطّريف ووفاء لرمزيّة قرطاج واحتفاء بالإبداع لأننا لسنا في تظاهرة عاديّة ولسنا في حفلة زفاف للأقارب والأجوار يشربون فيها الشّاي ويكسّرون المكسّرات والفواكه ويتبادلون النّكت والطّرائف ثمّ يقهقهون.
فالشّاعر الحقيقيّ تثيره كلمة، يطربه مقطع،تدهشه صورة ويسحره بيان.
لست أبحث عن دعوة شكليّة أو أحتجّ من أجل أن أشارك مشاركة صوريّة وأغلب الأصدقاء يعرفون أنّي لست من المتمسّحين على الأبواب ولا من المتمعّشين بالعطايا السريّة…
لست أودّ الإساءة إلى اسم معيّن تشكيكا في جدارته وقدحا في شخصه ولست أحتجّ لأنّ أعضاء أيام قرطاج الشعريّة لم يوجّهوا لي دعوة للمشاركة بل لأنّ هذه الأيام كانت في أغلبها تكريما للمقرّبين من “الباب العالي” و نشاطا شعريّة يندرج ضمن ثقافة ” الأقربون أولى بالمعروف والمدّاحون أولى بالدّعوات” حاشا الكثير من الشّعراء والشّواعر صنّاع المشاهد الشعريّة.
ثانيا: من حقّنا أن نبدي رأينا بموضوعيّة وأن نطرح بعض المسائل للحوار والتّفاعل والنّقاش رغبة في التّقييم الموضوعيّ وسعيا إلى الإفادة والاستفادة.
من حقّنا أن نتفاعل مع المشهد الشّعريّ في وطننا وفي كلّ الدّول العربيّة والعالميّة لأنّ الشّعر هو إنتاج لغويّ إنساني إبداعيّ وليس علما له قوانين ، وانّ معايير الشّعر هي خصائص تنتمي إلى سجّل الأدب…
نحن نحترم جميع الشّعراء الأكفاء الذّين يستحقّون كلّ ثناء وتكريم ومتابعة وإصغاء وكلّ صوت شعريّ يساهم مساهمة راقية. ونرفض أيضا الدّخلاء،المتسلّقين الذّين يمثّلون نشازا لغويّا في حضرة الشّعر. كما نعبّر عن استيائنا من التمشيّ الذّي سلكته إدارة هذا الملتقى فهي لم توجّه الدّعوة في كثير من الحالات استنادا إلى جدارة شعريّة بل وجّهتها حسب رغباتها الشخصيّة وعلاقاتها. كما كانت نزعتها الانتقائيّة التّي اعتمدتها كانت اعتباطيّة وهذا ما أساء إلى رمزيّة الاسم والى المحتوى المقدّم ونعتبر أنّ ما حصل فيه خرق لأدبيّات الجمال وآليات الإبداع. بحثا عن إرضاء زيد وتكريم عمرو ومجاملة “ريّا” وتشريف “سكينة”.
كما ندين العودة إلى ممارسات قديمة ساهمت في تكلّس المشهد الشعريّ التّونسيّ بإقصاء عدد هام من الشّعراء والحال أنّ هذا الملتقى هو ملتقى وطنيّ عربيّ تابع لمرفق تونسّي عام المتمثّل في وزارة الثّقافة وليس تحت تسيير جمعيّة ثقافيّة خاصة تأمر بأحكامها الاعتباطيّة. ولا يجب إهدار المال العام بشكل اعتباطيّ
نحن لا نبحث عن منفعة ذاتيّة أو طموح لا أخلاقيّ أو حضور دون استحقاق. بل ندافع بكلّ حرص ووطنيّة كشعراء وكتّاب همّهم فتنة القلم ومتعة الدّهشة وروعة الصّورة وبهاء اللّحظة الممتعة المحفّزة كي لا يحترق الحلم ولا تتمّ مصادرة الأصوات التّي تخالف هذا المنهج المتّبع من قبل المسؤولين عن تسيير هذه الأيام وتأثيثها شعريّا وموسيقيّا.
وانّ بعض الممارسات كانت ممارسات تعسفيّة انتقائيّة لا تخضع لمنطق الإبداع وشروط الأدبيّة بل كانت ذاتيّة تنتصر للمحاباة والصّداقات وإرضاء الأقارب والأصحاب والأحباب بثقافة الحوانيت. وانّ هذه الممارسات والتّجاوزات سمحت لكلّ من هبّ ودبّ أن يتطاول على الشّعر ولغتنا العربيّة بنصوص لا علاقة لها بالشّعر بتاتا وبكتابة مارست كلّ عمليّات الإجرام اللّغوي في حقّ لساننا العربيّ المبين.
ومن سار على نهج خاطئ فجمّل القبيح وقبّح الجميل دون أن يغربل هو مجرّد إنسان لا يعترف بالقيم الأخلاقيّة وبالمفاهيم الجماليّة.
ومن سلك مسلك المجاملين للتّفاهة المكرّسين للرّداءة الصّامتين عن الحماقة في سياقاتها الأدبيّة الشعريّة.هو من أصحاب الباع والذّراع في الجعجعة .
نحن نعلم أنّ الجماليّة نسبيّة وأنّ الجودة أمر ذوقيّ.لكن للشّعر معايير فنيّة لا يمكن خرقها ولا يمكن تشريع الرّداءة ولا يمكن أن نتجاهل الأخطاء والتّقصير للمحافظة على الصّداقة والزّمالة.لذا لا يجب أن نجامل أو نعادي وانّ اختلافنا مع المشرفين عن هذه الأيام هو اختلاف حول المفاهيم المعروفة والمقاييس المطلوبة في الانتقاء وتوجيه الدّعوات.
ولست من أنصار التّشويه والتّزييف والتّحريف. ولا أؤمن بثقافة الاستجداء والعطاء .فأنا أميّز بين الاختلاف والخلاف غايتي أن نقيّم ونجوّد ونطوّر بعيدا عن الحسابات الضيّقة والمصالح العابرة.
نحن نتعامل مع النّصوص وليست لنا أيّة عداوة مع الأشخاص مهما اختلفوا معنا في المدارس الشعريّة وتوجّهاتهم السياسيّة. ولست من دعاة الأراجيف والأكاذيب وبثّ العداء والانشقاق. كما نرفض أن تحصل بعض المهازل المسيئة إلى المشهد الثّقافي الشعري.ّ
ونحن ننتصر لكلّ الأشكال الشعريّة(القصيدة العموديّة، قصيدة التّفعيلة وقصيدة النّثر…) ولا نتحزّب لشكل على حساب آخر لأنّ الجماليّة ليست في إتّباع قالب معيّن، بل تتمثّل في جودة الرّصف وطرافة الوصف وعمق الوعي الجماليّ بلحظة الكتابة تعبيرا وتخييلا.
ثالثا: ندعو إلى:
– مراجعة جذريّة لكلّ البرمجة والى تقييم موضوعيّ نزيه خدمة للشّعر والشعريّة. وإنّ الفعل الثقاّفي يقوم على البناء والتأسيس والتّفاعل مع كلّ ما ننتجه من شعر ورواية وفنون.
– نطالب بأن تكون الدّعوات الموجّهة تحتكم إلى النّزاهة انتصارا للشّعر ولا تعتمد مقولة ” من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن ”
– نطالب بأن يكون مقياس التّفاضل الكيف والنّوع والجماليّة وليس الكمّ وعدد الإصدارات وحجم علامات الإعجاب كي ننأى عن عقليّة تنتصر للكثرة وتنحاز لقول النّابغة وخصومته مع الأعشى في رسالة الغفران” وانّي لأطول منك نفسا وأكثر تصرّفا. ولقد بلغت بعدد البيوت ما لم يبلغه أحد من العرب قبلي”
– نطالب بتكوين لجنة اختيار وانتقاء مستقلّة كي لا يتداخل الذّاتيّ بالموضوعيّ والحزبيّ بالثّقافي وكي نضمن نسبة محترمة من المصداقيّة والنّزاهة والشفافيّة.
– نطالب بأن تكون الدّعوات الموجهّة للضّيوف العرب مدروسة باختيار أفضل الشّعراء وليست بتكريم أقرب الأصدقاء.
– ندعو إلى تفعيل نشاط النّدوات والمطارحات والمناظرات والورشات التّي تمثّل فضاء للتعلّم وتطوير المهارات.
لا ولاء إلاّ للكلمة الحرّة الخارقة.
المجد للشّعراء مهما تعدّدت مراجعهم الشعريّة وتوجّهاتهم الفنيّة و مهما اختلفت مشاربهم الأدبيّة.
المجد للأدباء الحقيقيين والكّتاب الأحرار.

البشير الشيحي.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق