ثقافةمقالات رأي

انشقاق الشخصية (الهيستيريا الإنشقاقية)/ بقلم د . صلاح الدين السرسي.

ميديا بوس-تونس-النفس البشرية عموما ليست كيانا مصمتا واحدا ولكنها عبارة عن كيانات متعددة تكون متكاملة ومتصالحة ومتعاونة في حالة صحتها، ولكنها قد تنشق وقد تتصارع في بعض الحالات المرضية وتحت ضغوط معينة. وحالات الانشقاق تلك قد تأخذ أشكالا متعددة. وأساس هذا الانشقاق وجود صراعات نفسية بين دوافع ونوازع متعارضة لم تحل مما يولد قلقا لذلك فهو يُكبت ويُدفع بعيدا عن ساحة الشعور. ويعتبر الكبت مشكلة المشاكل في حالات الانشقاق إذ أن رغباتنا وحاجاتنا الغير محققة ومشاعرنا غير السارة على فترات من الزمن كل ذلك يأخذ طريقه للاختفاء والانزواء داخل اللاشعور ويتم استخدام هذا الكبت كحيلة للدفاع عن النفس ضد معاناة القلق فتُكبت الذكريات المؤذية أو النزعات الجنسية أو العدوانية وهذا الاستخدام المتكرر للكبت يعد تربة صالحة لظهور الانشقاق أمام ظرف قاسي وجديد كما أن نقص النضج، والافتقار إلى المهارات الاجتماعية يجعل الشخص ،معتمد في شئونه على الآخرين، وقد تكون نشأته متسمة بدرجة من التدليل من قبل الوالدين والمحيطين به. وحالات الانشقاق تصيب فئة من الناس يعجزون عن رؤية وقبول مناطق معينة من أنفسهم أو يتنكرون لبعض احتياجاتهم أو يعجزون عن التعبير عن رغباتهم ومخاوفهم، فيلجأ جهازهم النفسي إلى حيلة الانشقاق خاصة وأن هذا الجهاز لديهم يكون هشا وضعيفا لذلك يسهل على الجزء المتمرد داخل النفس أن يقوم بانقلاب مؤقت فيستولي على مركز قيادة الشخصية للحظات أو أيام ويمارس كل ما كان يتمناه من طيش أو نزق أو تحقيق نزوات أو إعلان رغبات أو التهرب من مسؤوليات، إلى أن تفرغ الشحنة فيعيد السلطة مرة أخرى إلى القيادة المعتادة للشخصية، تلك القيادة الخاضعة تماما للمعايير الاجتماعية السائدة، والمكبلة بقواعد أخلاقية أو عائلية ليست مقتنعة بها ولكنها تخشاها.

ويتمثل هذا الاضطراب في وجود شخصيتين أو أكثر للشخص الواحد يتوالي وجودهما فيه Multiple Personality Disorder، ولكل شخصية نمط مختلف عن الآخر، ويكون ظهور النمطين أو الثلاثة بشكل غير منتظم زمانا ومكانا، هذا الازدواج يمكن تفسيره على اعتباره هروب الشخص من ذاته لذات أخرى ينزع إليها من غير أن يعترف بذلك مع نسيان ما كان عليه من الشخصيات الأخرى، ويغلب على من يقع في الازدواج بالشخصية أن تظهر لديه في أي وقت مبكر من شبابه حالات الإغماء وأشكال من النوبات وبعض المظاهر الأولية للاضطرابات الانشقاقية والتحولية.

وتعرف الشخصية هنا على أنها نمط ثابت نسبيا من الاستقبال والتفكير والتعامل مع النفس والبيئة التي تظهر في إطار متسع من المواقف الاجتماعية والشخصية، وهناك حالات للشخصية تختلف فقط في مدى اتساع الإطار الاجتماعي والشخصي.

في الحالات التقليدية لاضطراب تعدد الشخصية يوجد على الأقل شخصيتان كاملتان وأحياناً توجد شخصية واحدة منفصلة وحالة واحدة أو أكثر من حالات الشخصية. في الحالات التقليدية يكون لكل من الشخصيات وحالات الشخصية ذكريات منفردة وأنماط سلوكية وعلاقات اجتماعية مميزة، وفي حالات أخرى قد يوجد درجات متفاوتة من الذكريات المشــتركة والسمات السلوكية العامة أو العلاقات الاجتماعية وتندر الحالات التقليدية التي لها شخصيتان أو أكثر لدى الأطفال والمراهقين عنها لدى البالغين ، ويتفاوت عدد الشخصيات أو حالاتها لدى البالغين من اثنتان إلى أكثر من مائة في الحالات بالغة التعقيد.

ويتم الانتقال عادة من شخصية لأخرى فجأة (خلال ثواني إلى دقائق) ولكن نادراً ما يكون الانتقال تدريجياً على مدى ساعات أو أيام ويحفز الانتقال بواسطة ضغط نفسي اجتماعي، وقد يحدث الانتقال لوجود صراعات بين الشخصيات. وغالباً تعي الشخصيات بعضها البعض أو كلها إلى درجات متفاوتة وقد تخبر الآخرين كأصدقاء أو رفاق أو كأشخاص غير مرغوبين (مكروهين) وفي لحظة ما فإن شخصية واحدة هي التي تتعامل مع العالم الخارجي… والشخصية التي تمثل للعلاج غالباً لديها قليل من المعرفة عن الشخصيات الأخرى.

قد تتصرف شخصية أو أكثر من الشخصيات بدرجة مقبولة من التكيف، بينما التغير في شخصية أخرى قد يكون واضحاً لدرجة الاضطراب الوظيفي أو لديها اضطراب عقلي محدد، مثل اضطراب الوجدان أو القلق وغالباً لا يكون واضحاً ما إذا كان هذا يمثل اضطراباً مصاحباً أو أنها أعراض مصاحبة لاضطراب الهوية الانشقاقي، لقد لوحظ من بعض الدراسات أن الشخصيات المختلفة داخل الشخص قد تختلف في الصفات الفسيولوجية والاستجابات المختلفة للاختبارات النفسية، ويستجيبون استجابات مختلفة لنفس العلاج، ويختلف مستوى الذكاء في كل منها وقد يقرر واحد أو أكثرمن الشخصيات أنه في عمر مختلف أو من عائلة مختلفة، وكل شخصية تظهرمن التصرفات والسلوكيات ما يناسب السن المقرر لها، وقد تقرر شخصية أو أكثر أنها تسمع لواحدة أو أكثر من الشخصيات الأخرى، أو أنها تحدثت إليها أو اندمجت معها في نشاط وعادة يكون لكل شخصية إسم مختلف عن الاسم الأصلي وأحيانا يكون الاختلاف في الاسم الأول والأخير للشخص.

يبدأ اضطراب تعدد الشخصية أحياناً في الطفولة ويميل الاضطراب لأن يصبح مزمناً، وعادة لا يمثل المريض للعلاج إلا متأخرا وقد تمارس إحدى الشخصيات وظيفتها بصورة مناسبة نسبياً، بينما تكون أدوار الشخصيات الأخرى هامشية ويتفاوت مستوى الإعاقة من متوسطة إلى شديدة طبقاً لعدد الشخصيات ونوعها، ومن مضاعفاته تشويه الـذات والعدوان الموجه للآخرين الذي يشمل إيذاء الأطفال أو الاعتداء.

يتميز اضطراب الهوية الانشقاقي تشخيصياً بالسمات الآتية:

1 – وجود اثنتان أو أكثر من الهويات المحددة أو حالات الشخصية (وكل منها لها نمطها النسبي من الفهم والعلاقات والتفكير حول النفس والبيئة المحيطة).

2 – اثنتان على الأقل من هذه الهويات أو حالات الشخصية تتكرر سيطرتها على سلوك الشخص.

3 – عدم القدرة على تذكر معلومات شخصية هامة بصورة شديدة لا يمكن أن تفسر كنسيان معتاد.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن هذا الاضطراب ليس نادراً كما كان يعتقد من قبل، وأكثر شيوعه في مرحلة المراهقة المتأخرة ومطلع الشباب، ويكثر أيضاً لدى الإناث منه لدى الذكور، وبين أقارب الدرجة الأولى للمضطربين أكثر من انتشاره بين جماهير الناس بصفة عامة.

ورغم أن أسباب هذا الاضطراب غير محددة إلا أن هناك احتمالات قوية لتأثير العوامل التالية:

1 – عوامل بيولوجية: لوحظ في دراسة لاضطراب تعدد الشخصية زيادة نشاط الفص الصدغي لقشرة المخ في صورة زيادة تدفق الدم إليه في واحدة من الشخصيات الفرعية وليــس في الشخصية الرئيسية.

2 – عوامل نفسية: لوحظ في عدد من الدراسات أن هناك تاريخ لإيذاء جنسي بصفة خاصـة في نســبة (80 %) من الحالات بالإضافة إلى أنواع الإيذاء الأخرى في الطفولة الجسدية والنفسية.

من هذه الحالات الشبيهة بحالتك فتاة من أسرة متدينة تحرص بشدة على حشمة ملابسها وعلى ستر كل جزء في جسمها ربما بشكل مبالغ فيه، وفجأة تخلع تلك الملابس وتتوجه إلى أحد الأفراح القريبة لتمارس الرقص كراقصة محترفة وسط ذهول الحاضرين ودهشتهم، وبعد لحظات تفيق من سكرتها وتدخل في نوبة صراخ وبكاء شديدين وهي لا تتذكر أي شيء مما حدث. وهذه الحالة نموذج من الاضطرابات الانشقاقية (dissociative disorders)، وهي تعني أن جزء من الشخصية يكون كامنا أو مكبوتا يتمرد على السياق العام للشخصية ويخرج فجا متحديا في حالة مختلفة من الوعي ويقود الشخصية لتحقيق رغبات أو مطالب معينة (غالبا متناقضة مع السياق العام للشخصية) ويستمر في ذلك إلى أن تفرغ الشحنة التمردية ثم يعود للكمون مرة أخرى. وهذه الحالة الانشقاقية تسبب لغطا شديدا لدى الناس فالمريضة تتكلم بلكنة مختلفة، وقد يعتقد من حولها أنها تتكلم بلغة مختلفة، وقد تخرج محتوى نفسها على لسان جني فتطلب مثلا تحقيق شيء معين ترغب في تحقيقه ولا تجرؤ على طلبه في حالة وعيها المعتادة، كالمرأة التى تكره زوجها أو هي غاضبة منه فتتحدث بلسان جني طالبة الطلاق من زوجها لكي يتزوجها ذلك الجني الذي يعشقها. هذه الحالات تكثر في النساء خاصة القابلات منهن للإيحاء.

تحقيق عماد خالد رحمة

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق