ثقافةمقالات رأي

قصي المليّح: لماذا أتعلّم العربيّة؟

ندوة تطوير تدريس اللّغات والإصلاح التّربويّ.

ميديا بلوس-تونس-“… ولو نظرنا إلى درس العربيّة من حيث فروعُه وبرامجُه وقدراتُه المستهدفة لوجدناه مشرعا إلى مختلف المعارف والفنون وإلى ألوان من الحياة، وإلى ضروب من النّظر والفكر. وهذا أبو حامد الغزالي يقول: “على المتعلّم ألّا يدع فنّا من فنون العلم ونوعا من أنواعه إلّا ونظر فيه نظرا يطّلع به على غايته ومقصده وطريقه ثمّ إن ساعده العمر وواتته الأسباب طلب التّبحّر فيه فإنّ العلوم كلّها متعاونة مترابطة بعضها ببعض ويستفيد منه في الحال حتّى لا يكون معاديا لذلك العلم بسبب الجهل به”.
تصفّحْ برامج اللّغة العربيّة تجدْ محاورَ النّصوص والأدب متّصلة بحياة المتعلّم الوجدانيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة وبقضاياه الوطنيّة وعوالمه الرّمزيّة وفضاءاته الحميمة الأثيرة، يحاور بها وفيها تاريخه وحاضره، أهواءه وطموحاته، واقعه وأحلامه، وتصفّح برامج مختلف الموادّ الدّراسيّة تجدْ بينها وبين برامج العربيّة صلاتِ نسب وقربى؛ فدراسة ماضي المجتمعات وفهم المجالات الجغرافيّة موارد أساسيّة لتعرّف خواصّ الآداب والفنون في صلتها بالعصر سياسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا وثقافيّا وللوقوف عند الأجناس الأدبيّة نشأة وتحوّلا، وعند مسارات الأدب وتيّاراته. وبين التّاريخ والجغرافيا آصرة تشدّ الزّمان إلى المكان ففيه تدور حوادثه ويعيش أبطاله أفرادا وجماعات. وعلاقة الأدب بتاريخه هي علاقة الكلّ بالجزء، والعامّ بالخاصّ، والأفقيّ بالعموديّ (1). وهذا ما يفسّر حاجة درس الأدب إلى عدد من الوثائق التّاريخيّة والخرائط الجغرافيّة أوائل المحاور في الكتب المدرسيّة استكشافا وأثناء الدّروس إيضاحا. وتشترك الموادّ الاجتماعيّة (2) والعربيّةَ في هدف “ترسيخ الانتماء والتّربية على المواطنة والمدنيّة وحقوق الإنسان والاعتزاز بالذّات الثّقافيّة والحضاريّة وتمكين المتعلّم من كفايات الفهم والنّقد وبناء المواقف” (3) وهي عين ما تسعى إليه حصص العربيّة من خلال محاور عديدة بل إنّ هذه القيم هي روح الكلمة والعبارة والنّسغ الّذي نشأت منه. وإنّ منهجيّة المؤرّخ الّتي يكتسبها في حصص التّاريخ واشتغاله على المجال الجغرافيّ يمكّنانه من الوقوف عند الجماليّ والإنسانيّ في النّصّ الأدبيّ وعند حظّه من التّأريخ أو التّخييل على نحو ما تدعو إليه التّوصيات في البرامج الرّسميّة:” يبني المدرّسون وضعيّات تمكّن من تنزيل النصّ في سياقه التّاريخيّ والحضاريّ والأدبيّ والفكريّ…. يحرص المدرّسون على ألّا يجعلوا التّلاميذ يتصوّرون الأدب مرآة تعكس الواقع على نحو آليّ ساذج” (4)
ونقرأ في برامج التّربية المدنيّة بالمرحلة الثّانويّة ضمن التّوجّهات التّربويّة والقيميّة للمادّة ما نراه أقصد السّبل لبثّ الحياة في حصص العربيّة ولعطف القلوب عليها “…يقوم المتعلّمون في القسم بتحليل الظّواهر الاجتماعيّة ودراسة الحالات والتّدرّب على قواعد الحوار وكيفيّة إبداء الرّأي والدّفاع عنه وتفهّم الرّأي المخالف والوعي بفضائل التّسامح والاعتدال ونسبيّة الحقائق والنّقاش الحرّ وآداب التّواصل كما يكتسبون الحسّ المدنيّ ويعون بحقوقهم ومسؤوليّاتهم ويتحفّزون لممارسة تلك الحقوق وتحمّل المسؤوليّات ليكونوا مواطنين فاعلين في نطاق عالم جديد وفي فضاء ثقافة كونيّة” (5) وليس كاللّغة الوطنيّة ناهضا بتنشئة المتعلّمين على القيم المشتركة وأجلّها قيمة المواطنة ” توثّق صلتهم بواقع مجتمعهم وتحول بينهم وبين “كلّ ضروب التّعصّب والانغلاق”.”

(1) تهدف دراسة تاريخ الأدب العربيّ إلى تبيّن العصور الأدبيّة الكبرى وربطها بالعصور السّياسيّة والوقائع الاجتماعيّة والاقتصاديّة وإدراك المنعرجات في المسار الأدبيّ وضبط الاتّجاهات الكبرى والمدارس الأدبيّة الّتي تتنزّل ضمنها، ووضع الأدباء في سياقهم التّاريخيّ والأدبيّ، ووصف الآثار الإبداعيّة ووجوه الإبداع فيها.
(2) هي التّاريخ والجغرافيا والتّربية المدنيّة والتّربية الإسلاميّة.
(3) انظر برامج التّاريخ والجغرافيا بالمرحلة الثّانويّة. الإدارة العامّة للمرحلة الإعداديّة والثّانويّة. وزارة التّربية. تونس. سبتمبر 2008.
(4) انظر برامج اللّغة العربيّة بالمرحلة الثّانويّة. الإدارة العامّة للمرحلة الإعداديّة والثّانويّة. وزارة التّربية. تونس سبتمبر 2008. ص 7.
(5) انظر برامج التّربية المدنيّة بالمرحلة الثّانويّة. الإدارة العامّة للمرحلة الإعداديّة والثّانويّة. وزارة التّربية. تونس سبتمبر 2008. ص 3

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق