أخبارمقالات رأيوطنيّة

الجامعة العامة للتعليم الثانوي تقود المعركة الطبقيّة في تونس/ بقلم مصطفى القلعي.

(مساندة لموقع اسطرلاب).

ميديا بلوس-تونس-بلغ اعتصام الجامعة العامّة للتعليم الثانوي في مقرّ وزارة التربية يومه الرّابع عشر، وهو اعتصام مُربك للجميع ويحرج الجميع لأنّه دخل منطقة غير النمطي وغير المألوف. فالنمطي المألوف أن يعتصم العاطلون عن العمل أو المعطّلون أو أبناء الجهات التي فيها ثروات يحرمون منها (قفصة/ تطاوين/ قابس…) أو أبناء الجهات المهمّشة المحرومة (سيدي بوزيد/ القيروان…). وفي الغالب يكون هؤلاء المعتصمون خصما ضعيفا للسلطة التي سرعان ما يتحرّك الإعلام الكومبرادوري لإسنادها ضدّهم فتروج إيديولوجيا: »إمكانيّات الدولة وتضخّم الوظيفة العموميّة وانتفاخ كتلة الأجور ووراثة الأزمة ونبحث عن حلول معا وشركات البيئة والبستنة وتخصيص جزء من المرابيح للتنمية الداخليّة… إلخ »
هذا الاعتصام دليل على أزمة طبقيّة حادّة وعى بها المجتمع التونسي منذ سنوات حتى قبل الثورة، ولكنّها بلغت ذروتها بعد الثورة حيث عمل الكومبرادور على إغراق المجتمع في أزمة أربكت استقراره الطبقي منذ عقود ليتفرّغ لتنفيذ مخطّط تهيئة المناخ الملائم لهللاستحواذ على الثروة وتشاركها مع شركائه في الخارج من الصناديق المانحة والدول الاستعماريّة ذات المصالح النافذة.
اليسار الاجتماعي النقابي كان على وعي بهذه المؤامرات الطبقيّة ولكنّه عجز عن إقناع الجماهير بها لأنّها كانت تحت تأثير الإعلام الكومبرادوري الذي يستعمل الميوعة والتمييع والتهكّم والمغالطة والكذب، أوّلا، وتحت تأثير وطأة المعيشي (غلاء الأسعار، غلاء العقّارات، التضخّم، الانكماش الاقتصادي…)، ثانيا، وتحت تأثير الخوف الاجتماعي المتزايد (انتشار الجريمة وتنوّعها وامتدادها وظهور أنواع فظيعة منها مسّت عائلات بأسرها/ انتشار العنف بأنواعه داخل الفضاء العائلي والفضاء التربوي والفضاء الاجتماعي والفضاء الرياضي)، ثالثا، وتحت تأثير القصف الإعلامي المستمرّ حول انتشار الفساد في كلّ القطاعات وكلّ الأجهزة، رابعا، وتحت تأثير الضربات الإرهابيّة التي بلغت من الاستعراضيّة ما جعلها تُدخِل الشكّ في الجميع حتى في أجهزة الدولة، خامسا، وتحت تأثير أخبار تشظّي الأحزاب الليبراليّة والدستوريّة والمائعة عموما التي تنافس النهضة أو تتحالف معها بما يجعل النهضة قدرا لا فكاك منه للتونسيّين، سادسا، وتحت تأثير هزم اليسار السياسي لنفسه ورفضه التهيكل والتطوّر والتوحّد والتقدّم بديلا مكتملا للتونسيّين يمكن أن يحظى بثقتهم، سابعا.
كلمة السرّ عند السلطة في تونس ليست الديمقراطيّة ولا الشرعيّة ولا صناديق الاقتراع ولا احترام الدستور ولا الثورة ولا الحريّة ولا حقوق الإنسان ولا القانون ولا مقاومة الفساد ولا التعليم العمومي ولا الصحّة العموميّة ولا العدالة الجبائيّة ولا كشف الجهاز السرّي ومحتوى الغرفة السوداء.. كلمة السرّ هي الدعم الأجنبي.
حركة النهضة، لأنّ همّها منذ نشأتها كان أن تجد لها ولأتباعها مكانا في الحكم، فهمت هذا مبكّرا. ولذلك طبّعت مع الصهيونيّة وتصدّت لقانون تجريم التطبيع واحتضنت ماكّين بشدّة وأطاعت الأمريكان وتبنّت الإسلام الديمقراطي الأمريكي وربطت قنوات اتصال مباشرة وقارّة مع اللوبي الأمريكي (مركز المصمودي) وحرصت على الحضور المستمرّ في دافوس وقمّة الثمانية الكبار.فلم يعد هناك من مبرّر عند سادة العالم لقبول إقصاء النهضة أو رفض مشاركتها في الحكم مع التجمّعيّين وأشباههم من الانتهازيّين من مختلف الهويّات. ولهذا هي في الحكم ولن تغادره مع أيٍّ من الفلول التجمّعيّة (السبسي/ الشاهد/ مرزوق/ مرجان…) أو مع غيرهم ممّن قبلوا قانون اللعبة (المرزوقي وبن جعفر سابقا ومن يدري من يكون لاحقا).
بهذا التحليل لم تعد حركة النهضة خصما إيديولوجيّا فقط وإنّما هي أيضا عدوّ طبقيّ. لابدّ أن نعي هذا لنفهم سبب خروج المدد القويّ المساند لاحتجاج الأولياء على اعتصام الأساتذة من جامع الفتح الذي يؤمّ الناس فيه السلفي النهضوي المتشدّد نور الدين الخادمي وسبب اختيار يوم الجمعة لإنجاز التحرّك وسبب الشعارات المرفوعة ضدّ الأساتذة والكاتب العام للجامعة العامّة للثانوي الأخ لسعد اليعقوبي.
هؤلاء الحمقى الذين تربّوا على ثقافة ولاية الفقيه وعلى الإمام المعصوم والحاكم المنزّه وسماحة القائد والشيخ العفيف لا يمكن أن يفهموا أنّ لسعد ليس سوى فرد في مكتب نقابي جامعي هو الذي يقرّر عبر سلطات قراره لاسيما الهيئة الإداريّة القطاعيّة والمكتب الجامعي عليه أن يقرّر. عبثا تحاول إفهامهم فلا يفهمون لأنّه يعتقدون أنّ كلّ تنظيم قيادي ذو بنية عموديّة تعود إلى فرد معصوم مثل تنظيمهم.
هؤلاء الحمقى كانوا خانعين ساكتين لابدين متمتّعين بالدفء النقابي زمن كان بن علي يرغي ويزبد عليهم. اليوم تغيّرت مواقعهم ومصالحهم فصاروا يخصّصون خطب جمعهم كاملة للنقابة والعمل النقابي وكاتب عام جامع الثانوي واتحاد الشغل. والدولة بربطة عنقها الزاهية تتفرّج على ذلك، طبعا، فلا ضير من التغاضي عن التحريض المسجدي والاستفادة منه ولو لمرّة أسوةبشركائهم الإسلاميّين الإخوان والسلفيّين مادام موجّها إلى الخصم الطبقي النقابي. حمقى كانوا وحمقى سيبقون.
الاعتصام هو نوع من التضحية بالجسد من أجل الحقوق. واعتصام جامعة الثانوي أكثر من ذلك؛ إنّه نوع من التضحية بالجسد من أجل الآخرين.. هو قربان جسديّ تقدّمه جامعة الثانوي لمنظوريها. وعندما تلجأ جامعة نقابيّة إلى الاعتصام والتضحية بجسد مناضليها يعني أنّ أزمة النظام والمجتمع بلغت حدّا خطيرا ينذر بالانفجار والسقوط الجماعي المدوّي.
عندما تعتصم الجامعة العامةللتعليم الثانوي بهذا الشكل الفاجع، وهي تقود قطاعا محوريّا صلب الطبقة الوسطى، يعني أنّ هذا القطاع فُقِّر وجُوِّع وأصابه العوز والحاجة بسبب خيارات نيوليبراليّة فاحشة تتّجه إلى سلب الثروة من الأغلبيّة وتركيزها بين يدي أقليّة متنفّذة مسنودة. وهو مؤشّر على أنّ بقيّة القطاعات الجنيسة والرفيقة سقطت ولكن لا جهد لها لتقاوم.بينما قطاع التعليم الثانوي قطاع وطني تقدّمي ثوري ريادي له النفس والجهد والخبرة النضاليّة ليستجمع قواه ويركّزها في معركة استنزاف قد تكون الفرصة الأخيرة للمجتمع حتى ينقذ نفسه من عمالة السلطة وأحزابها الساقطة.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق