ثقافةمقالات رأي

صرّة في منديل أبيض… أن تكون كاتباً!| عيسى جابلي.

ميديا بلوس-تونس-الكتابة لعنة، بل إنّها لعنة اللّعنات! تحملها على كتفيك كما تحمل حدبة ثقيلة بارزة على ظهرك، إن قطعتها متّ، وإن رضيتها فسدتَ في عيون الآخرين، وخرجت من دائرة “المواطن الصّالح”، وطردت من حضرة المعقول.
والكتابة لعنة، بها يمتزج واقعك بخيالك وصوابك بجنونك، فإذا أنت تعيش مع كائناتك الورقيّة، وتراها تملأ صمتك ضجيجا، وتحوّل صحوك إلى سكر واضح في الطّريق العامّ، وإذا أنت تشكّ في حضورها في ما حولك من كائنات “واقعية” متسائلا: “أيهما من عالم الحلم؟ وأين الواقع في كل هذا؟” ولكن الكارثة الكبرى أن تنخرط، مرغماً، في لعبة تفرض عليك فرضا: تحوّل كائنات الواقع إلى خيال، فتتعلّق بذيل فستان امرأة لا وجود لها إلاّ في خيالك، فتصنع بها قصصا وأحلاما لذيذة في وحدتك، تراقصها فوق الموج بجسد عار، وتطير بك إلى قمم الجبال البعيدة تدفئ قدميك بالثلج، وتروي ظمأك بنارها، أو تركب خيال امرأة لمحتها في لوحة على جدار، فتصحبها في جولة بين الحانات في الشّوارع الخلفية، تطرب وإياها بسباب الثملين وعربدة السكارى، وتعودان في آخر الليل تترنحان ضاحكين، توقفكما دورية تحملكما إلى القرجاني، وفي حجرة التوقيف تختلسان القبلات بلا حساب… والمضنى أكثر أن تسحب إلى عالمك “الواقعي” كائنات من الخيال المحض، فإذا أنت تجالس دون كيشوت في خربة نائية، يسقيك الكحول وتسقيه، يتصل بصديقه “زوربا”، فيأتيكما في الحال بشعره الأشعث وضحكته الساخرة ومعه إحدى الأرامل، تدفئ ليلكم بشحمها الأبيض، وتمزق سكونكم بآهاتها العالية، وفي آخر الليل، ترقصون حفاة عراة.
غير أن الكارثة الأشد تعقيدا أن تصل وقد استبدّت بك خيبة اللاّشي بعد أن انفضّ كل شيء من حولك ووجدت نفسك وجها لوجه مع هذا العالم المسطّح، أن يقفز إليك ذلك السّؤال المرعب: أيّهما ألذّ وأنقى: عالم “الخيال” أم عالم “الواقع”؟ وكيف تميّز وقد ضعت في دوّامة السّؤال بين أمل وخيبة؟ ومن يصدّق جزمك وأنت في عرف الآخرين عليل ومجنون يعيش في الأوهام؟
أنت في عالمك ذاك تحب امرأة تجمع طيفها من آلاف الوجوه الّتي ترى، وتحبّ ألف امرأة في امرأة واحدة، وتمشي في صحراء ملغومة من الكائنات الّتي تنتظر منك أن تمشي على الرّصيف في خطّ مستقيم محترما إشارات المرور وأضواءه كـ”خلق الرّب”، تدور دورتك المفرغة فتأكل وتنام وتتكاثر لتأكل وتنام وتتكاثر… وتنتهي كـ”خلق الربّ” تماما إلى أن تتوقّف العجلة، فلا يبقى منك غير رقمك في دفاتر الحالة المدنية!
في نصّ “خبز وسعيد ومطر” خلقتُ سعيداً فأبكاني.
أنا لا أعرفه (ولا هو) في “الواقع”، ولم ألتق به، بل إنّني أشكّ في وجوده أصلاً، ولكنّني عرفته في القصّة، وبنيته كلمة كلمة، نبضة نبضة، آهة آهة، رسمت عينيه وقد أرهقهما التّعب. صوّرت هيئته. خطّطت بعض مساره في القصّة. وكان مخطّطي قبل كتابتها أن تنتهي حكاية سعيد بعد معركة المخبزة، وأن تنغلق حكايته بخدوشه ودماء تسيل من وجهه، وغبار على ملامحه، وبحنق أكثر على المدينة الملعونة. غير أنّني، وأنا أعالجه داخل القصّة تمرّد، نظر إليّ نظرات غاضبة في صمت، دخل المحكمة فدخلت معه ووقفت خلفه دون أن يراني أحد. هناك أحسست باختناقه، واستشعرت فزعه من قذارة المكان. صَحبتُه في فراره إلى الجبل. كان يقول لي “إنّه ليس جبناً، ولكنّ القذارة تخنقني”، لم يسمعه عبارته أحد سواي، حتّى القرّاء.
وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، كنت أحسّ زهوه الصّامت بموته في أعلى مكان في مدينة ستموت هناك في الأسفل غارقة في قذارتها، فبكيت وأنا أكتب المشهد الأخير من قصّته. والحقّ أقول: لقد أحببت سعيداً كما لم أحبّ رجلا في هذه الدّنيا.. ومازلت.
رأيته بعد ذلك أكثر من مرّة في المدينة يجول في سوق الخميس ويأكل الفول ويشرب الشّاي من الباعة الجوّالين، ويعاكس الفتيات المتحلّقات حول الملابس القديمة والأحذية البالية، يدغدغ خصر هذه ويمسح على شعر تلك ويراقب تمايل الأرداف الثقيلة، وينظر إليّ ويبتسم. وكم مرة أبكاني حضوره وهو يحتسي قهوته المسائيّة معي في مقهى “كوستا” في صمت وسخرية. يتابع قلمي وهو يخطّ هذه الكلمات حينا، ويسرح ببصره بعيدا أحيانا، وكلّما صاح أحد روّاد المقهى عدت إلى طاولتي أستشعر البرد والفراغ.
وفي نصّ “راهبة الزّمن المستحيل” تمرّدت عليّ راهبة لا أعرفها.
لم أر في حياتي راهبة رأي العين، كلّ ما في الأمر أنّني رأيت ما يعرفه خلق الربّ من راهبات في المسلسلات والأفلام دون أن تلفت انتباهي راهبة، بل إنّني أنفر من هذه الأدوار في الغالب، بقدر ما أميل إلى أدوار المجانين وقطّاع الطّرق والمشعوذين. وما دخلت كاتدرائيّة في حياتي سوى مرّة، وأنا طالب، غلبني فيها فضولي وتغلّبت على خجلي، فدخلت كاتدرائيّة شارع بورقيبة الّتي تؤنس تمثال العلاّمة ابن خلدون في عزلته. وجدتها فارغة باردة ساكنة كقبر، فغادرتها بمشاعر متناقضة.
غير بعيد عنها يقع مقهى القدّيس (Le Saint) في قلب العاصمة. تعوّد أن يعجّ باليساريّين من الشّعراء والكتّاب والنّقابيّين والطّلبة. أجلس فيه قبالة واجهة بلّوريّة كلّما سمح جيبي بثمن قهوته الرّخيصة. إلى أن رأيتها ذات مرّة تعبر النّهج في وقار دون أن ترفع بصرها. كانت تسير بلباسها الأزرق الموشّح بالأبيض النّاصع بخطوات هادئة كمجرى نهر عظيم. لم يبق منها في ذهني سوى طيف بعيد كنقطة زرقاء في محيط من الزّبد، تعلو حينا ويبلعها تيّار الموج أحيانا.
قفزت إليّ بعد أعوام في قصّة فسمعتها تتكلّم الفرنسيّة بلكنة إسبانية تفرقع الرّاءات على لسانها وتبتسم في خجل. في القصّة سكرت من أجلها، وسخر منّي تمثال العلاّمة. كان يفترض أن أعزف جسدها كما خطّطت لذلك قبل كتابة القصّة، ولكنّ أنفة زائدة فاجأتني، وقفز إليّ إحساس مؤلم بأنّها ليست لي! تركتها عارية في غرفتها مثل سمكة قفز بها زهوها فوق المحيط، وغادرت. ستعاقبني “راهبة الزّمن المستحيل” فيما بعد، وتنغّص عليّ لحظات سكوني: “لماذا أعرضت عنّي وقد اشتعلتُ شبقاً؟” وسألجأ إليها أكثر من مرّة خلسة، فأرتمي على صدرها ارتماء اليتيم المحروم.
في “الموت خلسة” كنت أنا لحما ودما من مات قبل “البطل” مرّات ومرّات.
في يومي أرى الرّؤوس تقطع كلّ يوم بفنّيّة عالية، والأجساد تحرق بمشهديّة مرعبة. فسكنني هاجس أنّني، بشبهة معاقرة الكتابة والصّحافة، سأموت بإحدى تلك الطّرق. وكم مرّة سمعت وقعا قويا على الباب وأصوات ملثّمين يدقّون الخشب ببنادقهم ويصيحون: “افتح يا عدوّ اللّه!”، ويقتحمون المنزل ليقتلعوني من يدي نبراس وضياء وخرجوني من بحر دمعهما، وليحملوني معصوب العينين إلى جبل من الجبال ليقطعوا رأسي. عشت ذلك عشرات المرّات، ومتّ عشرات المرّات، ولم أستطع أن أبوح بذلك لأحد. فقرّرت “الموت خلسة”!
لقد بتّ على يقين، من خلال الأمثلة الثّلاثة الّتي ذكرت، وغيرها كثير، أنّ الكاتب الحقيقيّ يكتب بلحمه ودمه وقلبه، لا على وجه المجاز بل الحقيقة. يسكب دمه في قوارير يوزّعها بفم باسم على أناس لا يفهمونه في الغالب، وهم معذورون بما أنّهم ليسوا هو ولا يمكن أن يكونوه، ويطالبونه بأن يكون “عبدا صالحا” ينكح زوجته كلّ ليلة بانتظام، وينجب أطفالا صالحين، ينام قبل العاشرة ويصحو في الخامسة فجرا، يعمل دون تأخير، لا يتخلّف عن مواعيده، يشتري الخضر والفواكه كلّ خميس ويفاوض الباعة ويختار السّعر الأنسب، يعود المرضى ويرقص في الأفراح. يعمل بجدّ ويخزن المال ليبني منزلا ويشتري سيارة، يغمض عينيه عن نساء الآخرين، ويضع زوجته في جرّة مغلقة، يضحك لما يضحك النّاس ويبكي لما يبكيهم…
أمّا هو فيشقى بلعنته تلك وسط هذا الموج من الانتظارات، يسير نحو المجهول مرتبكا، يفكّر في كسر أقلامه وحرق أوراقه، ويتخيّل مغسلة سحريّة يدخلها فيخرج بقلب “سليم” وعقل “نظيف” لا يخالطه جنون، ولكنّه، آن يهدأ، يتخيّل نفسه دون كتابة ورقةً بيضاء تدوسها الأرجل على الأرصفة وتشبعها الأمطار ماء فتحلّل، ثمّ تحملها قنوات الصّرف بعيداً… فيتراجع عن وهمه ذاك. يتأمّل لعنته فتضيء مثل خاتم يطلّ من الرّمل، يصرّها في منديل أبيض، ويزرعها بين ثناياه، ويسير بها وقد امتلأ جنونا وعظمة.. حتّى النّهاية!

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق