ثقافةمقالات رأي

القصيدة الأخيرة للشاعر العربي الفلسطيني العالمي معين بسيسو/ بقلم شاكر فريد حسن.

ميديا بلوس-تونس-معين بسيسو من أبرز شعراء الطليعة الثقافية والوطنية والإنسانية الفلسطينية، المؤمنة بالفكر العقائدي الثوري التقدمي النيّر، التي ربطت الفكر بالممارسة الثورية. وهو شاعر الوطن والشعب والجماهير والثورة والكفاح والمقاومة، وشاعر المهمات الصعبة، والنكبة ومرارتها. وهو الجذر الفلسطيني العتيق الذي لم تتعبه الأيام ونوائب الدهر، ولم تنل من صوته الزنازين والأغلال والسلاسل الحديدية والغارات الوحشية، والفارس الفلسطيني الذي تألق وتوهج في الميدان، وتمرس في ساحة الفعل الشعري والنضالي والكفاحي المقاوم.
حمل معين، في قلبه وروحه وكيانه، غزة ببحرها وأمواجه المتلاطمة وشاطئها الجميل، ورسم على جسده خريطة فلسطين بسهولها وجبالها ووديانها وأزهارها وأشجارها ومدنها وأريافها ومخيماتها، وعرف النضال والمقاومة منذ شبابه اليانع الغض، وذاق على جلده عذاب السجن وعتمة الزنزانة، وعرف كيف يحول الكلمة الى رصاصة، والرصاصة الى قصيدة. افلم يقل: “أنا إن سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في السلاح، واحمل سلاحي، لا يخفك دمي يسيل من الجراح”.
وقد ساهم معين في صياغة وكتابة ثقافة الرفض والمواجهة والمقاومة والوجدان الفلسطيني، من خلال قصائده وأشعاره الثورية، التي نقشت على جدران الزنازين وعلقت على صدور المناضلين والمقاتلين، وأضحت نشيد أبطال المقاومة الفلسطينية.
وكان معين عاش تجربة حصار بيروت الدامي، وشهد معاركها البطولية، وشحن المقاتلين من الحركتين الفلسطينية واللبنانية بقصائده المقاتلة اللاهبة، التي كتبها في الخنادق وتحت لهب الانفجارات. وتحولت قصيدته “لن تدخلوا بيروت” إلى نشيد وطني تردد على الشفاه والألسن، وكتبت بالدم على الجدران والحيطان كتعبير عن إرادة وإيمان شعب صامد في وجه آلة الحرب الهمجية.
وفي أثناء حصار بيروت سأل معين بسيسو القائد الفلسطيني ياسر عرفات: ما الذي يمكن أن يكتبه الشاعر الآن وراء المتاريس وتحت القذائف؟.
فرد عليه أبو عمار قائلاً: إن قائد الثورة لا يستطيع أن يعرض على الشاعر والكاتب أسلوب الكتابة أو شكلها، إنكم وحدكم الذين تقررون هذا الشعر، والكتاب هم قادة بانفسهم، انهم قادة ثورتنا الشعرية والأدبية!.
ولعل سر خلود معين بسيسو وبقاء أشعاره بين الناس، إنها أشعار وجدانية ووطنية صافية وصادقة وشفافة وواضحة نابعة من قلب الجماهير، وتصور همومها وأوجاعها وآلامها، وتعالج قضاياها، وتعبر عن آمالها وأحلامها وتطلعاتها. وكان معين يرى في الشعب مدرسة للإلهام والإبداع الشعري.
والقصيدة الأخيرة التي كتبها وخطها يراع معين بسيسو وأبدعها خياله الشاعري هي ملحمة شعرية جميلة في ألف بيت، بعنوان “قصيدة في زجاجة” يقول في مقطع منها: سفر سفرموج يترجمني إلى كل اللغات وينكسرموجاً على كل اللغات وأنكسرسطراً… سطراًسفر… سفرسفن كلاب البحر أشرعة السفن وطن يفتش عن وطنزمن زمن زمن تكون به وحيداً كالفراشة في سحابة يا من يسمنني بأشرعتي وأجنحتي لسكين الرقابة تحيا الكتابة تحيا الرقابة يحيا على فمي الحجر سفر… سفر.
وكان معين قرأ هذه القصيدة، المليئة بالايحاءات، خلال الاسبوع الثقافي الفلسطيني بلندن، وشارك فيه أيضاً الراحل محمود درويش وسميح القاسم، ودغدغ بها مشاعر الجماهير وأيقظها وبث الحماس فيها. وكما كتب ياسين رفاعية في حينه عن هذه الأمسية في حينه: ”بيت من الشعر قادر على قيادة مظاهرة فلماذا لا يكون للشعر مثل هذا الدور في زمن تم فيه وأد المشاعر وخنق الطموح وتخدير الجماهير إلى حد تنويمها تنويماً مغناطيسياً:
استيقظوا يستيقظون… ناموا ينامون
إلا أن الشعر ما زال قادراً على أن يدمر التخدير ويوقظ النائمين من سباتهم الطويل، وهذا ما فعله معين بسيسو في سهرة لندن… فكان الفعل وكأنهم صورة أصيلة عن الجماهير في كل أنحاء الوطن العربي المليئ بالخيبات المريرة”.
وتشاء الأقدار أن يموت معين بسيسو ويودع الحياة مرتحلاً الى وطنه فلسطين، خلال مشاركته في هذه الأمسية وقراءته لقصيدته الأخيرة، التي ستظل تربط عشاق فلسطين في سموات أحلامهم وبين الأرض والوطن والحرية.
وطوبى لمعين الذي تعمد بالقهر وتزنر بالعذاب وأبحر في عباب الزمن حاملاً روحه على راحتيه، غازلاً للوطن أجمل الملامح والروائع، مشاركاً في نضال شعبه في سبيل الحرية والاستقلال، هاتفاً: هو الكفاح فخطي، يا مطارقه بقيد مضطهد تاريخ مضطهدان كان قلبي خفاقاً إلى أمد قلب الجماهير خفاق بلا أمد.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق