ثقافةمقالات رأي

أهمية الفخار في الدراسات الأثرية…| أ. رياض ورفلي.

ميديا بلوس-تونس-لم يكن هناك إهتمام كبير بدراسة الفخار من قبل الأثريين وذلك نظرا لتكوينهم الكلاسيكي حيث كانوا يعتمدون في دراساتهم على المخلفات الضخمة والوثائق المكتوبة، ولكن أخيرا تفطنوا إلى أهمية الفخار الذي كان يوجد بكميات كبيرة في المواقع الأثرية بأنواع وأشكال مختلفة و الذي كان في غالب الأحيان يجدونه في شكل قطع مكسورة بين طبقات الأرض أو متناثرة على سطحها عدى ثلاث وضعيات يمكن أن نجد بها الأواني الفخارية مكتملة وغير مكسورة وهي:
– المواقع التي توقفت فيها الحياة بصفة فجئية وذلك نتيجة كارثة طبيعية كزلزال أو بركان وأبرز مثال على ذلك بومبي Pompéi التي ضربها بركان فيزوف Vésuve سنة 79 ميلادي والتي بقي كل شيء فيها على حاله إذ تم العثور على كميات كبيرة من الأواني الفخارية السليمة والمكتملة؛ ولكن تعتبر هذه الوضعية نادرة جدا.
– المقابر حيث اعتقد الإنسان خلال العصر القديم في الحياة بعد الموت، فكان يدفن مع الميت المصنوعات التي كان يستعملها في حياته اليومية ومن بين هذه المصنوعات نجد الأواني الفخارية التي تعتبر عنصرا مهما من الأثاث الجنائزي، وخلال الحفريات يتم اكتشاف قبور بها أواني فخارية سليمة ومكتملة.
– تعد السفن الغارقة أيضا من أهم المحافظين على الأواني الفخارية في حالة سليمة، إذ أن حطام السفن الغارقة يحمل أعدادا لا بأس بها من الأواني الفخارية وخاصة الأمفورات التي تدحرجت ببطء إلى الأسفل أثناء غرق السفينة وبقيت في حالة سليمة.
في غالب الأحيان خلال عمليات الاستكشاف والمسح الأثري وكذلك خلال الحفريات يعثر الباحثون على شظايا متناثرة من الفخار إما على سطح الأرض أو ضمن الطبقات الأثرية، عندها لا بد له من يعيد تصور شكل الآنية التي تحصل على جزء أو أجزاء منها ثم يحاول ترميمها للحفاظ عليها.
عملية جمع شظايا الفخار المكسور يجب أن لا تكون عشوائية وإنما يجب أن يكون لها ضوابط ويجب أن يكون الباحث الأثري له على الأقل الحد الأدنى من المعرفة بالفخار وخاصة الفرز والتصنيف والتأريخ، كما يجب أن يكون ملما بما يطرحه الفخار من إشكاليات على الميدان.
كما أنه في حالة كانت المادة الفخارية المكتشفة غزيرة جدا، هنا يجب أن لا تجمع كل الشظايا وإنما لابد من القيام بعملية فرز فلا يجب الاحتفاظ إلا بالقطع التي بها شكل أو تمثل بداية شكل أو نلاحظ بها قيمة زخرفية أو تشكل لنا إبهاما ما؛ كما أن هناك ضوابط يجب اتباعها في الفرز تتمثل في لون الأواني والزخرفة التي عليه،كما يجب مراعاة تكوين العجينة أي يجب معرفة سمك القطعة ونوعية العجينة المكونة لها ومدى صفائها ونقصد هنا هو أننا يجب أن نعرف إن كان فخارا رديئا أو عاديا أو رفيعا، كما يجب مراعاة الأشكال الفخارية وذلك بالتفرقة بين الأمفورات والأواني ومصابيح الزيت.
إن دراسة الفخار لها دور كبير في التأريخ والتعرف على حياة الإنسان في العصر القديم خاصة نمط عيشه وتجارته وصناعته ومعتقداته الدينية. ولقد ارتبط الفخار منذ القديم ارتباطا وثيقا بحياة الإنسان وتطور صنعه من مرحلة إلى أخرى باعتبار تغير الذوق وتطوره خلال العصر القديم، أضف إلى ذلك اختلافه من طبقة إلى أخرى، إذ أن للأغنياء والأرستقراطية فخارهم الخاص بهم وللعامة فخارهم وكذلك للتجار فخارهم ولسكان الريف أيضا فخارهم الخاص بهم.
 طرق التصنيف والتعيير:
بعد جمع القطع الفخارية المتكسرة والمتكاملة وكذلك الشظايا يجب على الباحث أن يقوم باستنطاقها للتعرف على تاريخها وذلك بمقارنة ما عثر عليه بما هو معروف ومؤرخ وهذا يستدعي من الباحث دراية جيدة بتصنيف الفخار لأن التصنيف لا يكون إعطباطيا بل يجب أن يكون معتمدا على عدة معايير ألا و هي:
– معيار التقنية: أي أن نفرق بين الفخار المملس والمقولب والمدولب.
– معيار الوظيفة: أي أن نقارن بين الأمفورات فيما بينها والأواني فيما بينها وكذلك مصابيح الزيت فيما بينها ولا يمكن المقارنة بين قطع مختلفة وغير متجانسة لا تخضع لنفس المقاييس.
– معيار الجمالية: أي تصنيف القطع انطلاقا من ما تحمله من زخارف أو إيكونوغرافيا حيث نجد عدة أنواع من الزخارف نذكر منها الزخرفة اليدوية Décore modelé، الزخرفة المطبوعة Décore estampé، الزخرفة ذات المحاز Décore incisé، الزخرفة المنحوتة Décore gravé، الزخرفة ذات التجاويف Décore champlevé، والزخرفة المخزومة Décore ajuré. كذلك يتم التصنيف انطلاقا من شكل البشرة ولونها حيث نجد قطعا لها بشرة رقيقة لماعة وأخرى خشنة ومجعدة والتي علقت بها حبيبات صغيرة، كذلك نجد فيبعض الأحيان بين الوجهين الخارجي والداخلي للقطعة حيث نجد الأول أملسا والثاني خشنا.
تيبولوجيا الأشكال:
لكي يحدد الباحث شكل القطعة يجب أن يتفطن إلى مكونات القطعة، وفي هذه الحالة يكون التصنيف بتحديد مميزات شكل كل قطعة و مقارنتها بما يقاربها من أشكال كانت قد اكتشفت في حفريات أو مواقع أخرى.
كما يجب على الباحث أن يهتم بالشظايا المهمة التي يمكن من خلالها التأريخ، ومن هذه الشظايا نذكر:
– الشفة: والتي تكون إما دائرية أو منحنية نحو الداخل أو الخارج…
– الرقبة: والتي تكون إما طويلة أو قصيرة أو مخروطية أو مستقيمة…
– العروة: والتي تكون إما ضخمة أو صغيرة كما أن هناك عرى تتكون من ضفائر أو ضفيرة واحدة، كما أن مكان تثبيت العروة يختلف من شكل إلى آخر فنجدها مثبتة إما على الرقبة أو أسفلها أو وسط الآنية.
بعد دراسة هذه المميزات والتعرف على الشكل العام للقطعة وتحديد هويتها وتأريخها وتحديد مكان صنعها إن أمكن ذلك، على الباحث أن يبدأ بتحديد العائلة الكبرى التي ينتمي إليها الفخار الذي بصدد دراسته (فخار إيطالي، فخار غالي، فخار إفريقي…)، ثم من داخل كل عائلة يبدأ الباحث بتشخيص العناصر الهيكلية القارة التي تتركب منها الأواني المختلفة ألا وهي: القاعدة والبدن والحافة؛ والتي يمكن أن تتغير فرادى أو جزئيا أو كليا من قطعة إلى أخرى، والصعوبة التي يتعرض لها الباحثين هنا هي كيفية الفصل بين ما هو تغيير مقصود وغير مقصود وما هو تغيير عرضي ليست له دلالة تاريخية.
بعد الإلمام بمجمل الأشكال والإحاطة بسمات أخرى مثل نوعية الغشاء ونوعية الطين يبدأ التصنيف، ويكون التصنيف عبارة عن مدونة للأشكال الفخارية نجد فيها عرضا لمقاطع الأشكال ثم عرضا للأشكال الفرعية، كما نجد فيها تقديما للأواني والشظايا التي اعتمدت لتحديد كل شكل؛ ونجد في مثل هذه الدراسات نمطين أساسيين في تقديم التيبولوجيا حيث نجد:
– نمطا يعتمد أسلوبا مغلقا غير قابل للتطور: وهذا النمط نجد فيه الأشكال مرقمة 1، 2، 3، إلخ… بتسلسل عددي متصاعد يرمز في نفس الوقت إلى تتابع زمني عام. وهذا النمط من التصنيف غير قابل للتطور.
– نمطا مفتوحا قابل للتكملة: وهذا النمط نجد فيه الأشكال مرقمة باعتماد نظام مركب يشمل عددا من الأرقام والحروف ويترك الباب مفتوحا أمام إضافات لاحقة ممكنة.
رسم الفخار وتأريخه:
يعتبر رسم الفخار من المراحل الهامة في دراسة الفخار القديم، وتتم عملية الرسم باستعمال آلة تسمى Conformateur وهي عبارة عن مشط له أسنان معدنية دقيقة متحركة يشدها مثبت، وعند الرسم توجه هذه الأسنان نحو القطعة الفخارية من جهة الوجه على استقامة واحدة من القاعدة إلى الفوهة، ثم يفتح المثبت قليل ليسمح بتحرك الأسنان بسهولة، ويضغط عليها من الخلف لتتقدم نحو القطعة حتى تصبح كلها ملامسة لها ثم تثبت جيدا، ثم ينقل الرسم على ورق شفاف بواسطة قلم يساير أسنان المشط وبعد ذلك تعاد العملية على قفا القطعة ثم ينقل الرسم على ورقة مليمترية، ثم يتم نقله على الكمبيوتر ليتم صقله لنتحصل في الأخير على رسم للآنية الفخارية ويرد الرسم في شكل قسمين متوازيين قسم يمثل مقطع وقسم يمثل منظر أمامي.
أما بالنسبة للتأريخ فهناك عدة طرق ووسائل للتأريخ وهي تختلف في درجة دقتها، فمنها النسبية ومنها المطلقة، فأما بالنسبة للأولى فهي تعتمد أساسا على المقارنة والمقاربة، كطريقة التتابع الطبقي أو الستراتيغرافي، وتشكل الطبقات الأثرية ي بدأ من الأسفل إلى الأعلى، وبذلك تعد الطبقات السفلية هي الأقدم. وتعتبر الستراتيغرافيا هي أسلم طريقة لتأريخ القطع الفخارية حيث ينطلق الباحث من تقارير الحفرية التي تحتوي على رسوم ومذكرات فردية للطبقات الأثرية، وبذلك يتم توزيع الشظايا في إطار الطبقة الواحدة إلى أجزاء حسب الاستعمال القديم للقطع الفخارية كالأمفورات وأواني الطبخ والأكل والشرب وكذلك وسائل الإنارة المتمثلة في مصابيح الزيت؛ ثم يتم تشخيص الأشكال داخل العائلة الواحدة من كل طبقة، فمثلا بالنسبة للأواني نفصل بين ما هو فخار ذو بشرة سوداء والفخار السيجيلي الإفريقي مثلا، ونواصل إحصاء الشظايا حسب كل شكل ونربط تغيير النسبة المائوية داخل مختلف الطبقات بالتسلسل الستراتيغرافي ونقوم بمقارنة هذه النسب فيما بينها حسب الطبقات لنتمكن من وضع العلامات الأولى للتتابع الزمني بين كل الطبقات وبذلك نتحصل على كرونولوجيا نسبية. أما بالنسبة للتأريخ المطلق أو التقريبي فيعتمد على مخلفات التي تعطينا تاريخا دقيقا والتحاليل المخبرية، فبالنسبة للمخلفات نعثر في بعض الأحيان على قطع نقدية في الطبقات الأثرية مع الفخار وهكذا نتخطى الكرونولوجيا النسبية إلى كرونولوجيا مطلقة وإن كانت تقريبية أم بالنسبة للتحاليل المخبرية فنذكر مثلا الكربون 14 والإشعاع الحراري.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ كاتبة لها عدة إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

error: Content is protected !!
إغلاق