إسلاميّاتالأسرة و المجتمعثقافةمقالات رأي

“قراءة نقدية تحليلية في تقرير لجنة الحريات”| د. الطاهر بن يحيى(2).

ميديا بلوس-تونس-نواصل نشر القراءة النقدية التحليلية في تقرير لجنة الحريات للأستاذ د. الطاهر بن يحيى والتي نُشرت بموقع إسطرلاب:

.3. في ثغرات البنية الحجاجية للتقرير:
قد يكون مفيدا أن نذكّر بأنّ مبحث الحِجَاج والاستدلال عموما نشأ أول ما نشأ في إطار المنازعات القضائية والمناقشات القانونية. وكان رجال القانون من قضاة ومحامين في مختلف العصور القديمة وخاصة في العصور اللاتينية والرومانية من أمهر الذين كتبوا عن الحجاج وطرق الاحتجاج وعلى رأسهم سيسرون Cicéron (ت 46 ق م) وكينتيليان Quintilien (ت 96م).

وما نعنيه من هذه الإشارة أنّ كتابة النص القانوني أو معالجة القضايا القانونيّة تحتاج فضلا عن التخصّص وطول التجربة، حذرا شديدا ومراجعات دقيقة ومقارنات واسعة وتأنِّيًا كبيرا حتى يكون مقنعا أكثر ما يمكن، وحتى يكون عمليّا وقابلا للتّطبيق ومحقّقا ومعبّرا في الوقت نفسه عن مفاهيم جوهرية وردت في التقرير كالمساواة والحرية والحقّ وغيرها. صحيح أنّ التقرير كما أكّدت رئيسة اللجنة في تصريحات كثيرة ليس نصّا قانونيا نهائيا بل هو تعبير عن وجهة نظر أعضاء اللجنة في مختلف مظاهر التمييز التي عليها القوانين التونسية، لكن طريقة صياغته لا تترك مجالا للشكّ بأنّ الغاية منه ليست مجرّد التعبير عن وجهة نظر أو مجرّد استشارة بقدر ما هي إعداد «مسودّة أولى» لمدونة حقوقيّة من المفروض أن تتوزع موادّها على بعض المجلات كمجلة الأحوال الشخصية والمجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية ومجلة المرافعات المدنية والجزائية ومجلة حقوق الطفل.

وقبل أن نستعرض وجوها مما سمّيناه ثغرات في البنية الحجاجية للتقرير نشير إلى أنّ كثيرا من المتحمسين «لفلسفة» المشروع الرئاسي توقفوا عند نقاط ضعف عديدة تتعلق إمّا بالصياغة أو بالخلط المفاهيمي أو بالجمع بين المرجعيات المتنافرة والمتعارضة.

وسنكتفي في هذا السياق بمثالين اثنين:

أمّا الأوّل، فيتعلق بطريقة تبرير أعضاء اللجنة لدعوتهم إلى المساواة المطلقة في مسألة الميراث بين الرجل والمرأة. وفي هذا السياق نقرأ نصّا «مثيرا» على درجة كبرى من الدقة والوضوح كما ورد في الصفحة 176:

*[إنّ إلغاء التمييز أمر حتميّ لاعتباراتٍ، منها ما هو ذو طابع قانوني ومنها ما هو ذو طابع سوسيولوجي]

*[الحجّة الأساسية التي يُعارض بها تطوير قواعد الميراث هي حجة دينية، تقول إنّها قواعد دينية، منها ما نزل بالقرآن، ومنها ما ورد بالحديث، ومنها ما أجمع عليه فقهاء الدين.فهي بالتالي قواعد لا يمكن المساس بها ومخالفتها.

*[لا يمكن لهذه الحجة أن تصلح في النظام القانوي التونسي لأنّه نظام مدني وضعي وليس بنظام ديني]

*[صحيح أنّ الفصل الأوّل المذكور أكد على أنّ تونس دولة «الإسلام دينها» لكن هذا لا يعني مطلقا أنّ بلادنا هي دولة دينية خاضعة في إرادتها التي تعبر عنها بقوانينها، خاضعة لتعاليم الدين].

وممّا تعنيه جميع هذه الشواهد[1] التي كان التقرير جازما في شأنها قاطعا في طريقة التعبير عنها –وهو ما يفسّر تردّد استخدام عبارات تفيد الجزم، مثل «الحتمية» و«الإطلاق» و«الضرورة» و«الوجوب» وغيرها[2]-، أنّ المنظومة التشريعية التونسية حسب الدستور أو حسب قراءة مخصوصة للدستور لا يمكن لها أن تراعي منطوق الأحكام «الشرعية» ولا حتّى «أبعادها ومقاصدها» بناء على أنّ «النظام القانوني التونسي نظام وضعي وليس بنظام ديني» كما سلفت الإشارة.

لكن ما يجعل القارئ يصاب بالحيرة والذهول وهو يتابع أعضاء اللجنة في طريقة حجاجهم واستدلالهم، أنّه سبق له أن قرأ في نطاق التقرير نفسه كلاما آخر «ينقض» أوله آخره كما يقول القدامى [3]، ومفاده: (صص 10-11).

1-[«انبثق من داخل الفضاء الزيتوني تيار تميّز ببعده المقاصدي»]

2-[ «تؤكد هذه المدرسة على ضرورة التجديد والاجتهاد في الشريعة الإسلامية، بما يتلاءم مع ظروف العصر وأحوال المسلمين»].

3-[«من هذا المنطلق أكّد رئيس الجمهورية في خطاب 13 أوت 2018، على ضرورة تعديل القوانين في اتجاه المساواة بين الجنسين: «أصبح اليوم من المطلوب ومن الممكن تعديل قانون مجلة الأحوال الشخصية المتعلق بالإرث خاصة بصورة مرحلية متدرجة، حتى بلوغ المساواة التامة بين الرجل والمرأة»].

4-[«وقد راعى في خطابه البعد الديني حين ذكر: «أنّ العقل الإيماني الإصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض مع الدين ومقاصده، ولا مع الدستور ومبادئه»].

5-[«قيمة المساواة بين الرجل والمرأة من صميم الدين»] ص 15

6-[استجاب الإسلام لنداء العدل والإنصاف، من أجل تقرير المساواة المطلقة بين الرجال والنساء، على مستوى الحقوق والواجبات].

7- الاستشهاد بالآية 35 من سورة الأحزاب، والآية 124 من سورة النساء، والآية 13 من سورة الحجرات، ثمّ الاستنتاج التالي:

«وتؤكد هذه الآيات على وجود مساواة وجودية جوهرية بين الرجال والنساء»، ودعم هذا الاستنتاج بالحديث النبوي: «النساء شقائق الرجال».

8- أخيرا الاستشهاد بآيات أخرى (في إحدى عشرة إحالة) ومحاولة تفسيرها وتأويلها بما يتماشى مع مفهوم المساواة، وهي الآيات: 11 و12 و7، من سورة النساء ، 180 و151 من سورة البقرة، و51 من سورة آل عمران، 60 سورة الأنعام، 41 من سورة الأنفال، 38 من سورة يوسف. صص 16 -21.

وما يخامرنا من تساؤلات بعد هذا العرض الدقيق الموجز لما ورد في التقرير حول موضوع المساواة في الإرث: كيف تمّت صياغة التقرير وتحريره؟ هل انقسم أعضاء اللجنة مثلا إلى فريقين: فريق مختصّ في العلوم القانونية وآخر مختصّ أو هو أقرب إلى حقل الإسلاميات المعاصرة؟

وما يمكننا استنتاجه أنّ الفريقين عمل أوّلهما على صياغة بعض الفصول القانونية، أمّا الثاني فلقد حرص على البرهنة على أنّ ذلك لا يتعارض مع مقاصد الإسلام وإن اختلف مع قواعد الفقه. وإلى هذا الحدّ يمكننا الاقتناع بالتكامل بين الفريقين المكوّنين للجنة.

لكنّ هذا الافتراض من قِبِلَنا، كان يحتّم أن يضيف الفريق القانوني إلى الحجتين اللتين استند إليهما وهما الحجةُ القانونية والحجةُ السوسيولوجية، الحجّةَ «المقاصدية» التي تجعل الحجة القانونيّة بالخصوص لا تتعارض مع الدين ومقاصده. والأنكى من كلّ ذلك أنّ الفريق القانوني جزم بأنّ الحجة الدينية غير ملزمة بناء على أنّ المنظومة القانونيّة التونسية منظومة وضعية عقلية، ومن ثمّة استباق الردود الممكنة والقول بأنّ:

[الحجّة الأساسية التي يُعارض بها تطوير قواعد الميراث هي حجة دينية،… ولا يمكن لهذه الحجة أن تصلح في النظام القانوني التونسي لأنّه نظام مدني وضعي وليس بنظام ديني].

فإذا كانت الحجة الدينية لا تصلح سواء تعلق الأمر بالفهم الحرفي للحجة الدينية أو الفهم المقاصدي، فلم التورّط في تلك الفقرات الطويلة التي جعلت من الإسلام ومن الكتاب المقدّس «أسبق» المدونات الحقوقية في تاريخ الكون: ألم يقل جماعة التقرير إنّ المساواة من صميم الدين وجوهره، وألم يؤكّدوا بأنّ: «الإسلام استجاب لنداء العدل والإنصاف، من أجل تقرير المساواة المطلقة بين الرجال والنساء، على مستوى الحقوق والواجبات».ص 15.

والإشكال في رأينا لا ينحصر في التعارض بين بعض المقدمات المنهجية وطبيعة التبريرات المعتمدة فحسب، بل الأخطر من كلّ ذلك تقديم قراءة لموضوع المساواة والحريات في الإسلام هي أقرب إلى القراءة التقليدية التي عفا عليها الزمن والتي لا تتناسب مع تطوّر الدراسات الفلسفية والفكرية في جامعاتنا وفي الجامعات الغربية وفي أوساط الاستشراق وأوساط المختصين في الإسلاميات.

فأن يكون الإسلام بنصوصه التأسيسية قد عبّر عن مفاهيم المساواة والحرية كما تناولتها الفلسفة الحديثة والفكر السياسي الحديث –وهو ما أوحت به فقرات مطوّلة في التقرير- فهذا لا يعني شيئا آخر سوى محاولة المماثلة المستحلية بين مفاهيم السياسة الشرعية ومفاهيم الفكر السياسي الحديث، وهي المماثلة التي عبّر عنها الخطاب الإصلاحي في ق19 أحسن تعبير.

ثانيا: المثال الثاني الذي نعتمده للاستدلال على «تهافت» البنية الكلية للتقرير يتعلّق بمفهوم الحرية في الإسلام. فحسب فريق التقرير توجد «إشارات وأحكام فقهية تؤكد أصالة بعض الحريات الفردية في الإسلام» (ص8)، وأنّ مفهوم الحرية في الإسلام لا يقتصر على فكرة التضاد مع «العبودية» كما يذهب إلى ذلك البعض، ومن ثمة فإنّ «الحرية مقصد أصلي من مقاصد الفكر الإسلامي» (ص9)، لكن «تمّ تجويفها» بعبارة التقرير، بحكم هيمنة أنظمة الاستبداد والتضحية بالفرد لصالح الجماعة (ص 8). وهذا «ما يفسر تأخّر العودة إلى الحقوق والحريات الفردية في تونس والعالم الإسلامي» (ص8).

وعبارة «العودة» في هذا الشاهد الأخير على درجة كبرى من الأهمية، فهي تعني ضرورة أنّه مع البعثة «ولد مفهوم الفرد» (ص8)، ومع الإسلام ولد مفهوم الحرية الذي تمّ تجويفه وحجبه أو تعطيل فاعليته بفعل الاستبداد بوجهيه السياسي والديني. هذا هو المنطق الذي استند إليه الكواكبي في «أم القرى» مثلا ليثبت أنّ دولة النبوة جسّدت كل مفاهيم العدل والحرية في الأنظمة الأروبية الحديثة، ومن ثمة فاستلهام تجارب «الأفرنجة» ليس إلا عودة إلى المنابع النبوية الأولى. لا يختلف خير الدين التونسي في «أقوم المسالك» عن الكواكبي في هذا التوجه، كما لا يختلف عنهما الطهطاوي أو عبده أو بقية المصلحين. نستثني من ذلك علي عبد الرازق في «الإسلام وأصول الحكم» الذي قدم قراءة جديدة جريئة لموضوع الحكم في الإسلام معلنا بأن الخلافة ليست من الخطط الدينية.

ما نخلص إليه أنّ القراءة التي قدّمها التقرير في موضوع الحريات في الإسلام، هي في الجوهر قراءة تبسيطية وقع أصحابها في الخلط الفادح بين مفهوم الحرية في الفكر الحديث ومفهوم الحرية في التراث الإسلامي القديم. هذا ما انتبهت إليه إحدى الباحثات الجامعيات في تعليقها على المقدمة العامة في التقرير بالقول:

«…إنّ المقدّمة بقيت تتحرّك في أفق دينيّ بالدّرجة الأولى، ورُدّت فيها كلّ مسائل «الحرّيات الفرديّة» و«المساواة» الرّاهنة إلى وجودٍ مسبق لها في القرآن وفي السنّة وفي أدبيّات الصّحابة؛ في تدليل واضح على إيمان التّقرير بدور الدّين في بناء المجتمعات وحراسة قيمها الجامعة وتحقيق وحدتها»

وتضيف محقّة: «ولعلّ أخطر ما جاء في هذه المقدمة الإغراق في تمجيد السلف ووضعه موضع المنظومة المثالية المتعالية عن التاريخ والواقع».[4].

وحين نقارن بين ما ورد في جزء من القسم الأول من التقرير الخاص بالحريات الفردية وما ورد في بعض فقرات المقدمة العامة تشعر بأنّ فريق «الإسلاميات» في اللجنة كان يبحث عن «نظائر» تراثية وفقهية ودينية لما تتضمنه الحقوق الكونية الحديثة. فلقد تحدّث التقرير في الصفحة العاشرة عن ضمان بعض الحريات الفردية في الإسلام كمنع التجسس وحرية التنقل و حرية التفكير والتعبير وحرية اختيار المسكن، ونجد بعد ذلك في الصفحة 42 تذكيرا بالفصل 24 من الدستور التونسي القاضي بحماية الدولة «للحياة الخاصة وحرمة المسكن وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية. لكل مواطن الحرية في اختيار مقر إقامته وفي التنقل وفي التنقل داخل الوطن وله الحق في مغادرته»، ثم تفصيل القول في طبيعة هذه الحريات وحدودها (صص44-49).

.4. في أسباب النزول وظروف الإحداث:

أسباب النزول من العلوم «الجليلة» التي تؤكد بالنسبة إلى أغلب أعلام الإسلاميات المعاصرة «تاريخية» الدعوة الإسلامية وتاريخية ما جاء في نصوصها التأسيسية من أحكام هي أدخل في باب المعاملات منها في باب العبادات.

وما لجوء أعضاء اللجنة إلى الحجة السوسيولوجية في موضوع الإرث إلا دليل على أنّ الأحكام كما جاء في الفقرات الأولى من التقرير «تدور مع عللها وجودا وعدما» كما يقول الأصوليون[5]. ومفاد الفكرة في جوهرها أنّنا لا يمكن أن نفهم نصا أو حكما أو قضيّة إلاّ بتنزيلها في سياقها التاريخي والبحث في أسباب نزولها. هذا يصدق على كلّ فكر وكلّ منظومة فقهية أو حقوقية قديمة أو حديثة. وهو يصدق بالاستتباع على التقرير الذي نحن بصدد تحليله والحديث عنه.

وفي هذا السياق من الضروري التذكير بالمعطيات التالية:

أولا :-ترسُّخ تيار إصلاحي تونسيّ منذ نهاية القرن التاسع عشر، وخاصة منذ كتاب الحداد الشهير «امرأتنا في الشريعة والمجتمع » يجعل من قضية المرأة من شواغله المركزية.

ثانيا: بروز تيار «إحيائي» واسع بعد الثورة يلهج بالبورقيبية ويتحصّن بها ضد المدّ السلفي والديني عموما. وفي هذا السياق لا بدّ من الاعتراف للباجي قائد السبسي ببعض السّبق في هذا المجال، وكتابه «الحبيب بورقيبة الأهم والمهمّ» الذي نشره في عهد بن علي[6] يشهد بأنّه لم ينتظر الثورة حتى يكتب عن «المجاهد الأكبر» وحتى «يمجّده» و«يصنّمه».

ثالثا: الرّغبة القويّة في اللّحاق بقائمة كبار المصلحين الذين « أضاؤوا » سماء الثقافة التونسية الحديثة وبدّدوا بعض الظلام الذي حجب «نور العقل» طيلة قرون وعهود. هذا ما يجسّده خطاب الباجي سنة واحدة قبل أن يرى تقرير اللجنة الرئاسية النورَ.

وتحليل بعض مقاطع هذا الخطاب بتاريخ 13 أوت 2017 ، يساعدنا على تدبّر أمر التقرير وفهم خفاياه وربما تفسير ما أسميناه بضعف بنيته الحجاجية.

فممّا جاء في هذا الخطاب:

قوله: «من الطبيعي أيضا أن نواصل تطوير تشريعاتنا بما يتلاءم وتطوّر مجتمعنا وتغير سنن الكون والحياة وفق تراثنا لإصلاحي… وبما لا يتنافى في شيء مع تعاليم الإسلام السمحة نصا وروحا»[7].
وقوله أيضا: «وفد برز منهج اجتهادي يؤكّد على أنّ قاعدة للذكر مثل حظّ الأنثيين هي – إذا ما تجنّبنا إقفال قلوبنا وعقولنا وقرأناها وفق المقاصد الحكيمة وتاريخيّة النّزول إنّما ترمي إلى تحديد السقف الأدنى الذي لا يمكن النزول تحته… ونفس هذا التوجّه الاجتهادي المحمود يدفعنا نحو القبول بالمساواة…»[8].
وقوله: «إنّي لمتيقّن أنّ العقل الإيماني الإصلاحي القانوني التونسي سيجد الصيغ الملائمة التي لا تتعرض لا مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه والتي ستضيف لبنة أساسيّة في اتجاه المساواة الكاملة»[9].
ولزاما عليه أصبح اليوم من المطلوب ومن الممكن تعديل قانون الأحوال الشخصيّة المتعلّق بالإرث بصورة مرحلية متدرّجة حتى بلوغ هدف المساواة التامة بين الرجل والمرأة».[10].
وقوله: «وإنّي لمتيقّن بأنّ العقل الإيماني الإصلاحي القانوني التونسي سيجسّد الصيغ الملائمة التي لا تتعارض لا مع الدين ومقاصده ولا مع الدستور ومبادئه»[11].
وأهمّ ما نستنتجه من هذا الخطاب أربعة أمور متكاملة:

اتّخاذ القرار بضرورة إحداث تغييرات عميقة في «أحكام الميراث» التي أصبحت تمثّل الجزء الشاذ في مجلة الأحوال الشخصية [12] كما ورد في الخطاب.
الحرص الشديد على أن تكون هذه التغييرات «متلائمة» مع الدين ومقاصده من جهة، ومع الدستور ومبادئه من جهة ثانية.
اعتبار هذه التغييرات مواصلة للنهج الاجتهادي وتجسيدا لروح التحرّر في الفكر الإصلاحي التونسي الحديث. وممّا له دلالة إحالته على فكر الطاهر الحداد وإنجازات الزعيم الحبيب بورقيبة في مناسبتين اثنتين[13].
ضرورة سلوك نهج التدرّج في الدعوة إلى مبدأ المساواة.
والسؤال البديهي الذي يفرض نفسه: هل فعل أصحاب التقرير شيئا آخر غير الاستجابة لما كان قرّره رئيس الجمهورية سلفا؟
ألا يساعدنا ذلك على فهم الأسباب التي دفعت اللجنة إلى تقديم اقتراحين اثنين أحدهما «يناقض» الآخر تقريبا، حتّى وإن كان مقترح المساواة التامّة هو الأصل والقاعدة الرئيسية؟

وما نفهمه أنّ الفريق القانوني في اللجنة كانت عينُه على المواثيق الدولية وبعض فصول الدستور التونسي من جهة، وعلى خطاب الرئيس من جهة ثانية. فكان أن استجابوا «لتوصية» التدرّج، وكانوا أن قدّموا مقترحا ثانيا لا يقرّ بمبدأ المساواة المطلقة، والأهمّ من ذلك هو اقتراح يقرّ بأهميّة القاعدة الفقهية بعدما كان التقرير قد نسفها وألغاها بمقتضى أنّ القانون التونسي قانون وضعي لا قيمة للحجة الدينية فيه.

وحين نقارن بين محتوى خطاب الباجي ومحتوى التقرير نجزم بأنّ الخطاب الرئاسي كان أكثر انسجاما، ذلك أنّه حرص على أن يجعل من «المقاربة المقاصدية» من جهة ومبادئ الدستور من جهة ثانية الأصلين اللذين يمكن اعتمادهما لتبرير الدعوة إلى المساواة في الإرث. أمّا أعضاء اللجنة، وفي نطاق الاستجابة الواضحة لتوصيات المؤسسة السياسية، فقد التزموا بترديد أفكارها لكنّهم عجزوا في الوقت نفسه عن التنسيق بينها، فكان أن قدّموا تقريرا مهمّا في الكثير من مقترحاته التفصيلية، لكنه ظلّ مفتقدا للانسجام والاتّساق.

وبالطّبع من ذهبوا إلى أنّ التقرير يمثّل «ثورة تشريعية» و«تأصيلا للمشروع الإصلاحي التونسي» و«استثناءً» لم تأت به الأوائل، يعبّرون عن ردود فعل سياسية وإيديولوجية أكثر ممّا يعبّرون عن مواقف «علميّة» و«نقدية». وإلا فلا وجه للمقارنة بين الإطار السياسي والفكري الذي صيغ التقرير في نطاقه، وبين أعلام كتبوا في موضوع المرأة وفي وضع التعليم الزيتوني وسبل تطويره، وكتبوا في وضع العمّال ووضع المجتمع بأسره بدون تكليف: لا من «إقامة عامّة» ولا من «بلاط بايات» ولا من «هيأة سياسية» لهذا الحزب أو ذاك، فكان أن حُرموا «التوسيم» في حياتهم لكنّ الذاكرة الوطنية –وإن بعد عشرات السنين- وسّمتهم بما يليق بمقامات «القدّيسين»… تلك هي مسيرة أحد عظماء تونس في عصرنا الحديث: عاش «فريدا» ومات «غريبا» وانبعث «عظيما» ككلّ المفكرين «النوابغ» الذين أثروا في واقع مجتمعاتهم ولو بعد حين، وككلّ أصحاب المشاريع الإصلاحية والوطنية التي مهّدت لما بعدها. وبالفعل لا يمكن أن نفهم ما أقدم عليه بورقيبة من إجراءات جريئة في مجلة الأحوال الشخصية لو لا عمق مقاربة الطاهر الحداد لموضوع المرأة ودقتّها وانسجامها وبلورتها لما نعتبره «قاعدة» منهجية عبّر عنها في مقدمة كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» حين نصّ على ضرورة التمييز بين ما جاء به الإسلام وما جاء من أجله.

الهوامش

[1] -وقد صيغت في الكثير من مقاطعها صياغة ضعيفة مترهّلة.

[2] – انظر الصفحات 175-176-177 مثلا.

[3] -انظر ما كتب في نطاق الفصل الأول أو القسم الأول تحت عنوان: مقدمة عامة: مقاربات اجتماعية ودينية.

[4] -آمنة الرميلي، مقال «حول تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة»، جريدة الشروق بتاريخ 28-08-2018.

[5] -التقرير ص14

[6] – نشر الكتاب عن دار الجنوب في نسخة معربة سنة 2011، بعدما كان المؤلف نشره سنة 2009 بعنوان:

Habib Bourghiba : Le bon et l ‘ivraie

-[7] – انظر كتاب الباحث عبد السلام الزبيدي «تقرير الحريات الفردية والمساواة، جدل الفضاء الافتراضي»، تونس، منشورات سوتيميديا، أوت 2018، ص 15. وهو كتاب قيّم جمع فيه صاحبه أهمّ ما دار على صفحات الفايسبوك من جدل حاد حول التقرير كما وثق فيه بيانات الأحزاب السياسية والجمعيات الدينية وجمعيات المجتمع المدني وغيرها. ومن هذه الناحية يمثل الكتاب وثيقة ثمينة يمكن الاعتماد عليها لتحليل ردود الفعل المختلف تجاه هذه القضية وغيرها.

– نفسه، ص 16.[8]

– نفسه ، ص 17.[9] [10] -نفسه، ص 16.

[11] -نفسه، ص 17.

[12] -نفسه، ص 17.

[13] -نفسه، صص 16-17.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق