إسلاميّاتثقافةمقالات رأي

“لم تأكلوا بعد النّخالة” الإمتاع والمؤانسة…

ميديا بلوس-تونس-تحت عنوان “لم تأكلوا بعد النّخالة” الإمتاع والمؤانسة، كتب الأستاذ البشير العباسي يقول:

1/ في البدء: يقول الأستاذ محمود المسعدي رحمه الله: “ليس عندي أحلى من جدّة القديم” هكذا تردّدُ ذاكرتي، وقد أكون من الروّاة بالمعنى، ولست ثقة بالحرف أمّا المعنى فيقين. راودتني العبارة وسيطرت على ذاكرتي وأنا أطوف الأسواق، وأسأل عن أسعار الغلال المعروضة، والمثيرة بكلّ وقاحة للشّاهية وداعية النّفس تراودها كالبغيّة المَرِيدَة، التّي أوكلها الشّيطان نيابته في الأسواق، والمعروضات على ضفاف الطّرقات… عَفْوًا على الأرصفة المغتَصَبَةِ من عَرْضِ أرصفتنا ومواقف سيّاراتنا توقّفا مؤقّتا… لقد اغتصبوا منّا أرصفتنا قهرا واحتقارا، ونسيرُ وسط المُعَبَّدِ جَبْرًا ونحن كاتمين غَيْظَنا… ولو تكلّمنا لأصابنا ما لاتشتهي النّفس وما لاترضاه الكرامة.

2/ لَمْ تَأْكُلُوا بَعْدُ النُّخَالَة: حكى أبو حيّان في الإمتاع والمؤانسة أنّ النّاس هاجوا وماجوا وشكوا الوزيرَ سُوءَ الحَالِ وغلاء الأسعار فأطلّ عليهم من الشّرفة وقال لهم: لم تأكلوا بعد النّخالة. العبارة مُكْتَنِزَةٌ قهرا واستبدادا، هذا من جهة النّاطق. وهي لاتخفي حَقَارَةً وَوَضَاعةً للنّاس عنده، وهو لم يستوزر إلاّ بوجودهم وتكليفا بإسعادهم. ولكنّ عَقْلَ المستبدّ لا يلتفت إلى دلالة “الرّاعي والرّعيّة” وليتهم نظروا إلى مقصد المصطلح. فالرّاعي بشر. ولكنّه سائس. ولذلك جاء في الحديث أنّ النّبيّ عليه السّلام قال إنّ أخي موسى رعى أغنام شُعَيْب عليه السّلام وكنتُ، أي النّبيّ عليه السّلام، أرعاها على قراريط لقريش… فالرّاعي صفة عالية لأنّه يتخيّر أعشب وأخصب وأَأْمَنَ موقع في الأرض لينزله فيستظلّ وغنمه ويشرب وإيّاها، ويأْمَنَ غيلة السّطو من ذئاب بني آدم… وابن آوى والذّئاب من السّباع… فيهجع قليلا وهي تحت حراسة الكلاب المؤمّنة التّي لاتهدأ عن الحركة والحذر وتشمّم المسالك والحواشي من كلّ وادي ومن كلّ غاب. فالرّاعي تناط به مهمّات ثلاث:التّأمين للكلإ والماء والظلّ، فالأمن والأمان ثمّ الردّ والدّفاع والتّصدّي لغائلة الدّهر. وهذه المهمّات يعهد بها لولاّة الأمور. فواجب الحاكم والسّلطان في كلّ شبرمن الدّولة أنّ يؤمنّ للنّاس سلامة قوتهم.فيضرب بقوّة ضدّ المحتكرين والمهرّبين. وهذه المهمّة لا تحتاج دعاية في قنوات الإعلام. بل توجب حركة وفعلا تطبيقا وممارسة تبدأ من المعتمد ثمّ الوالي ثمّ الوزير ثمّ الرّئاسة. وتوزّع على الشّرطة فتؤمّن الطّرقات إلى الأسواق الخاضعة لرقابة الدّولة. وتمنع مسالك التّهريب. ويكون ذلك بتكوين عيون تراقب حركيّة هذه المسارب. فيقطعونها. ويقطعون حبائل روّادها. ثمّ واجب الأمن العام الذي يُكْوَى بغلاء الأسعار، وتهريب الإنتاج وبتخزينه للاحتكار. والنّاس كلّ بحيّه ونهجه يعلمون المخازن السريّة والجهريّة فواجبهم الوطني أن يكشفوا سترها ويعرّوا ستارها، حتّى تعود البضاعة إلى أسواقها فيكثر العرض وتنخفض الأسعار. ثمّ نحتاج حزم إدارة في الأسواق، فيوسم الوسطاء ويحدّدون وتضبط قوائمهم. فمن تسلّل وتلبّس ثوب وجمّازة وجبّة السّمسار ليسهّل الاحتكار، فعيون الرّقابة منه أقرب من حبل الوريد. وأدنى من ظلّه إليه. لو صدقت العزيمة وتطهّر الضّمير واتّقى كلّ مواطن “ربّ عمر” ودرّة عمر. آنئذ تتعاضد الدرّة والدّيانة على صيانة حقوق الفقراء والمساكين وسائر المواطنين فيتنعّمون بما تخرج الأرض من الخير وما تثمر الأشجار من الثّمرات. لو يتعاضد الإمام الواعظ والفنّان النّاصح والإعلاميّ الصّادق على فضح المذنبين وترشيد المستهلكين، لأمكن الحدّ من ظاهرة الاحتكار وارتفاع الأسعار. الفلاّح المنتج يقسم بالله العظيم أنّه يبيع بنصف دينار البرتقال فنشتريه بالدّينارين وأكثر… فكيف يضاعف أربع مرّات وأزيد؟؟ هل تسقى الثّمار بعد جنييها وتزيد في الحجم والميزان والجودة؟ وهذا يشمل كلّ الثّمرات وفي كلّ فصل. فمتى تنهض الدّولة وتوجِدُ لنا سوقا وطنيّة يجمّع فيها الإنتاج؟. ثمّ يتقدّم التجّار من كلّ الولايات فتحمل البضاعة إلى مراكزها وتوزّع على المعتمديّات. ثمّ الأسواق البلديّة. فتضبط الأسعار من إنتاجها حتّى بلوغها الفكهاني والخضّار وبائع السّمك والجزّار… إلخ. أذكّرأهل الدّعاية الانتخابيّة في الرّئاسيّة أنّ المواطنة المسكينة ذرفت دمعة حرّى، تذيب الصّخر لأنّها لم تأكل لحما لثلاثة أعوام خلت من ساعة الكلمة.ولكنّا اليوم نرى الذّبيحة تضحك من المشتمّم اللّحمة الطّازجة والمجمّدة… بل ودجاج المكينة. لو تنشط منظّمة الدّفاع عن المستهلك بالفعل، وليس بالخطابة في وسائل الإعلام، بل بالمراقبة الحقّ للإنتاج ولمسالك التّوزيع والتّرويج، لتمكنّا من الضّرب بقوّة القانون المدني على أيادي الفاسدين والمفسدين… إلخ.

3/ الانتخابات… أَمْ تأمين مسالك التّوزيع؟ يتحدّثون عن ثورة الانتخابات ومحاسن آثارها في حياة المواطنين وعقد مدنيّتهم. وينسون أنّ التّنافس الانتخابي يحدث في مجتمعات مدنيّة راقية تنضبط تلقائيّا للقانون العادل نصّا والممارس قضاء بين النّاس.والنّافذ فيهم عدلا بلا ميز. تلك هي مقولة المرأة بثقة الإيمان: “وربّ عمر” أو بقولة الذي لا يرتدع إلاّ بالدرّة والعصا والتّشهير والسّجن والخطايا وتختزل بمقولة”درّة عمر” وبالعربي الفصيح: “العصا لمن عصى”. وليس يصلح أهل الفساد والاحتكار إلاّ هذا. الضّرب بقوّة السّلطان. وقديما قال المتملّق للباي: “معي دبّوس السّلطان” فردّ القاضي الواثق بالشّرع: “وأنا معي دبّوس الشّرع”أي القانون.فلمّا سمع الباي المقالتين أرغد وأزبد ورقصت أرنبة أنفه وقال للمتملّق: “دبّوس السّلطان لا تضادد دبّوس الشّرع”. ونحن نحتاج اليوم من يقول دبّوس الدّولة لا يضاددها دبّوس الاحتكار ولا رأس المال الفاسد والواهبين لخوض الانتخابات… الفساد مبغوض كالإشراك بالله لأنّ كلايهما يقود إلى الخراب.

4/ الخاتمة. إنّ الله رزقنا أرضا طيّبة مباركة، وأغاثنا، وبارك زرعنا وأشجارنا ودوابّنا وبحرنا وريحنا وشمسنا. وبارك جهد عمّال فلاحتنا وبحّارتنا، فلا تغضبوه بالاحتكار وغلاء الأسعار. فإنّه يرقب الأمور باللّيل والنّهار. فلا تقودوا الدّولة إلى أمر مُتْرَفِيهَا بالفسق فيها. فينالنا ما نال دولا عفا عنها التّاريخ وأصبحت آية اعتبار… أليس كذلك؟ وإيّاكم أن تقولوا للشّعب المسكين الذي يمرّ بالأسواق المثقّلة بخيرات الأرض والشّجر من الخضروات والثّمرات… تلك أسعارنا ونحن أحرار… نبيع منها ما يبتاعه الأثرياء بتلك الأسعار… ثمّ نلقي بالبقايا والفاسد على الطّرقات… ولنا في خزائننا المكيّفة ما تطلبونه غدا بالأضعاف المضاعفة..ولنا معابرنا البحريّة والبريّة والجويّة… ونحن في آمان… فإنّه لا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون. ولمن أراد الاعتبار فليقرأ قوله تعالى: “أفأمن أهل القرى أن يأتهم بأسنا بياتا وهم نائمون 97. أَوَ أَمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون98. أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكرَالله إلاّ القوم الخاسرون” الأعراف 99… اعتبروا… أليس كذلك؟

أبو يوسف البشير العبّاسي.

الوسوم
اظهر المزيد

نجيبة بوغندة

نجيبة بوغندة حاصلة على الإجازة الأساسية في اللغة والآداب والحضارة العربية/ باحثة في الأدب/ كاتبة لها عدة (20) إصدارات في مجال الطفولة والناشئة/ رئيس الأنشطة الثقافية بجمعية إحياء وصيانة الموروث الثقافي/ عضو باتحاد الكتاب التونسيين/ مدونة إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق